| تعداد نشریات | 45 |
| تعداد شمارهها | 1,869 |
| تعداد مقالات | 15,212 |
| تعداد مشاهده مقاله | 43,076,553 |
| تعداد دریافت فایل اصل مقاله | 17,141,356 |
دراسة مشاکلة الشکل والمضمون في قصيدة إلی أمّ کلثوم لأحمد شوقي من منظار الأسلوبية الأدبية | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| بحوث في اللغة العربية | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| مقاله 8، دوره 17، شماره 33، دی 2025، صفحه 111-126 اصل مقاله (615.65 K) | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| نوع مقاله: المقالة البحثیة | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| شناسه دیجیتال (DOI): 10.22108/rall.2025.144189.1567 | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| نویسنده | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| جواد محمدزاده* | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة مازندران، بابلسر، إيران | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| چکیده | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| يتأثّر الشکل والمضمون في الشعر ببعضهما بعضاً. فکلما حظي التركيب الشكلي للشعر بالانسجام والتناسب اللازمين مع المعنى، خلص الشعر إلی الخلود والتحمّس وزيادة تأثير المعنی. من أجل الکشف عن مدی التلاؤم بين الشکل والمضمون، فإنّ أفضل طريقة متأصلة في الدراسات اللغوية هو تحليل النص، بناءً علی الأسلوبية الأدبية التي تعنى بدراسة النص الأدبي بشقّيه الشكلي والمضموني. من هنا، يسعی هذا البحث علی ضوء المنهج الوصفي ـ التحليلي، إلی معالجة مشاکلة الشکل والمضمون في قصيدة إلی أمّ کلثوم، لأحمد شوقي. لقد اعتمد الشاعر في هذه القصيدة علی البحر البسيط الثقيل، للتعبير عن الحزن والثقل النفسي الذي توازيه ذات الشاعر العاشقة والمتحسّرة، کما أنّه استفاد من قافية "الهاء" المفتوحة مع "ألف" الإطلاق، والتي تدل علی الآهات المكبوتة. في الموسيقی الداخلية، تبيّن أنّ التکرار الصوتي المتمثّل في الأصوات الصفیریة مثل "السين" ومجاورتها لـ"الهاء" خلق موسیقی حزینة، تتلاءم والجو النفسي للشاعر. في المستوی المعجمي، فاختار كلمات موحية بالحزن والتحسّر الذي حل به بسبب إعراض الحبيبة عنه، ومنها: "حَمامَةَ الأيكِ، والشَّجو، والدُّجَى، واللَّيل، والبکاء وشَكوی، وأيام الهَوى، وآه". أضفت هذه المفردات على القصيدة طابعا مميزا من الصدق والواقعية. في المستوی البلاغي، رأينا أنّ التشبيهات والاستعارات التي استخدمها شوقی لیست زخرفاً معلقا بها، بل إنّها ثمرة لحاجة التعبير. وهذا يدل علی أنّ التصنع البديعي لا يفرض علی هذا النص الشعري. في المستوی الترکيبي، يتبيّن لنا أنّ الجمل الفعلية بالزمن الماضي سائدة علی جسد النص؛ لأنّ الشاعر يسترجع الذكريات التي عاشها، إلا أنّها أصبحت كالحلم. بالإضافة إلی ذلك، فقد لجأ شوقي إلی بعض الأساليب الإنشائية کالاستفهام الإنکاري، للتأکيد علی طهارة الحبيبة وعفتها واحتشامها. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| کلیدواژهها | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| مشاکلة الشکل والمضمون؛ الأسلوبية الأدبية؛ قصيدة إلى أمّ کلثوم؛ الصورة الشعرية؛ العاطفة الصادقة | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| اصل مقاله | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
المقدمة الفنّ باختلاف أجناسه يعني نقل کيفية الرؤی والأقوال علی مرّ التاريخ. وهو فعل إبداعي، يؤثّر في المتلقّي. والعمل الفني هو الوسيط الذى يعبر به الفنان عن نفسه وعن مجتمعه. إنّ العمل الفني يجعلنا نتمکّن من استخدام الخيال والفکر في نطاق غير محدود. فهو يسمح لنا أن نقوم بالتفسير ونتدرّب التفکير، من أجل روية الکون بشکل أجمل والعثور علی المعنی، ولو کنا متغلغلين في الآلام والمعاناة. من بين أجناس الفن المختلفة، تکون للشعر أهمية بمکان، وله علاقة وثيقة بالشعور. من ثمّ، فنری أنّ التأثير هو من أهم أغراضه. فالشعر يثير العواطف بطريقة مختلفة، حيث نری فيه تأثير الحزن والألم والحب والبغض. وکلما کان التلاؤم والتناسب بين الألفاظ والمعاني أکثر، ازداد الشعر تأثيرا. وعلى الشاعر أن يراعي عملية التلاؤم بين الشكل والمضمون، أي إتقان وضع المضمون في الشکل المناسب. بمعنی آخر، أنّ التناسب وسيلة من وسائل تحقيق الجمال الفنّي. وعندما يتحقق التناسب بين جميع أجزاء النص، يقدّم للشعر حلاوته ولذّته. کما قد أشار إلی هذا الجانب حازم القرطاجني، حيث قال: «التأليف بين المتناسبات له حلاوة في المسموع. وما ائتلف من غير المتناسبات والمتماثلات فغير مستحلی ولا مستطاب» (1986م، ص 267). إنّ قضية الشکل والمضمون والمشاکلة بينهما، بصفتها توافق الذوق الشعري، قد دخلت تحت الموضوع الشعري أکثر من الموضوعات الأخری. من ثمّ، قمنا في هذا البحث بدراسة مشاکلة الشکل والمضمون في شعر الشاعر المصري، أحمد شوقي الذي کان «يملك إحساساً عميقاً وصدقاً في العاطفة ودقّة الوصف وروعة ابتكار» (الفاخوري، 1986م، ص 996). ينضاف إلی ذلك، أن شوقي كان ذا حس لغوي مرهف وفطرة موسيقية بارعة في اختيار الألفاظ التي تتألف مع بعضها، لتحدث النغم الذي يثير الطرب، ويجذب الأسماع، وكذلك كان أحد الشعراء الانبعاثيين الذين كان لهم دور بارز في حركة تجديد الشعر العربي في العصر الحديث. بعد أن قرأنا قصيدته إلی أمّ کلثوم أكثر من مرة، تبين لنا أنّ ثمة تناسباً بين الشکل والمضمون، يستحق الدراسة التي تساعدنا علی معرفة الوحدة الفنية الهندسية والتوازن في بناء القصيدة، مما يؤدي إلى أن يبلغ التوافق والانسجام بين اللفظ والمعنى غايته في أبياتها. لقد كان منهجنا في كتابة هذه الدراسة هو المنهج الوصفي ـ التحليلي الذي يقوم علی النظر والبحث في الأسلوب الأدبي للوقوف علی أسرار التقنيات اللغوية فيه، معتمداً علی كتب البلاغة والنحو والنقد الأدبي الحديث. واتجه البحث في الإطارين: الإطار الأول هو الإطار النظري الذي نبحث فيه عن مصطلح الشکل والمضمون لغة واصطلاحاً، ونكشف عن التناسب الرئيس بينهما؛ أمّا الإطار الثاني، فهو عبارة عن التطبيق العلمي لما سبقت الإشارة إليه في الإطار الأول، حيث يتم البحث في هذه القصيدة للكشف عن مدی تلاؤم الشکل والمضمون في أبياتها. 1ـ1. أسئلة البحث ـ کيف أثّرت الآليات الأسلوبية التي وظفها الشاعر في عملية التلاؤم بين الشکل والمضمون؟ ـ ما الفكرة الغالبة التي تنبني عليها القصيدة؟ 1ـ2. فرضيات البحث ـ في المستوی الإيقاعي، يفترض أنّ الشاعر قد اختار البحر الذي يلائم مضمون الشعر، کما يبدو أنّه قد اختار القافية التي تناسب بثّ الشکوی. ـ في المستوی المعجمي، يفترض أنّه قد استطاع أن يستخدم المفردات الإيحائية الأکثر مناسبةً للتعبير عن عواطفه ومشاعره. ـ يبدو أنّه قد حاول أن يكون صادقاً في التعبير عن هواجس نفسه وخلجاتها. وهذا الصدق قد تجلى في التقنيات اللغوية التي اختارها. ـ يفترض أنّه قد استخدم الصور البيانية التي تتميّز بها حبيبته، کما يبدو أنّه قد اختار الجمل الفعلية الماضية وبعض الأساليب الإنشائية لغرض جمالي، يرتبط ارتباطاً عميقاً بخلجات روحه. ـ فيما يتعلّق بالفکرة الغالبة في القصيدة، يفترض أنّه لم يتألّم من الحبّ أو إعراض الحبيبة فقط، بل إنّ هناك مشاعر أخرى أثرت فيه أيضاً. 1ـ3. خلفية البحث تعددت الدراسات والبحوث اللغوية التي جعلت من أشعار أحمد شوقي مرجعا لها، منها: رسالة عنوانها قصيدة أندلسية لأحمد شوقي دراسة أسلوبية، لخولة قاسمي (2017م). تناولت الکاتبة هذه القصيدة في المستويات الصوتية، والنحوية، والصرفية، والدلالية، من أجل معرفة أهم الخصائص والسمات التي تميزت بها القصيدة. خلصت الباحثة إلی أنّ هذه القصيدة تتميز بحضور ألفاظ مناسبة، تعبر عن حالة الشاعر ومدى حنينه إلى وطنه. بحث عنوانه سينية شوقي: دراسة أسلوبية، لمنال مدكور عبد الواحد يحيى (202٤م). يهدف هذا البحث إلى تقديم تحليل أسلوبي لسينية أحمد شوقي، وفق منظور نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني. کتاب عنوانه الإيقاع في شعر أحمد شوقي: دراسة أسلوبية، لحسام محمد إبراهيم أيوب (1992م). لقد سعی المؤلّف في هذا الکتاب إلی الکشف عن العلاقة المزدوجة بين الإيقاع والمعنی، ورأی أنّ الإيقاع الداخلي يعمل علی توليد المعنی من خلال تكرار الأصوات والتوازن بين الكلمات والجمل. من اللافت أنّ الدراسات فيما يتعلّق بأعمال أحمد شوقي كثيرة جداً، إلا أنّنا ما وجدنا من خلال دراسات، تحلل تلاؤم شکل هذه القصيدة ومضمونها من منظار الأسلوبية الأدبية، إلا دراسة معنونة بقراءة في قصيدة سلو كؤوس الطِلا لأمير الشعراء، تمّ نشرها عام 2007م في منتدی نون، حيث قام ناشرها بدراسة وتحليل بعض أبيات القصيدة من الناحية اللغوية. لکننا قمنا بدراسة هذه القصيدة من منظور الأسلوبية الأدبية، للوصول إلی ما کان من التلاؤم في المستويات الصوتية، والبلاغية، والنحوية، والمعجمية.
هذه القصيدة مقطعة صغيرة، لا تزيد علی تسعة أبيات. نظمَها الشاعر على البحر البسيط وقافية "الهاء" المفتوحة مع "ألف" الإطلاق. وهي من الأشعار التي تعكس شخصية الشاعر وعواطفه الجياشة. تجربة الشاعر في هذه القصيدة تجربة ذاتية، تعكس شعوراً شخصياً، عاشه الشاعر. من الناحية الشكلية، لم تخرج هذه القصيدة في إطارها العام عن عمود الشعر العربي أو الشكل التقليدي من وحدة الوزن والقافية؛ لكنها ليست قائمة علی وحدة البيت، بل علی وحدة الموضوع ووحدة الجو النفسي. وهذه الوحدة نابعة من ترابط الأفكار وترتيبها، حيث ترتبط بعض الأبيات ببعض.
3ـ1. الشکل[1] من الناحية اللغوية، أن معنى كلمة "الشكل" هو «هيئة الشيء وصورته. ويقال: مسائل شكليّة: يهْتمُّ فيها بالشكل دون الجوهر. أمّا الشکل في الأدب، فهو طريقة الأديب في التعبير عن فکرته، والصيغة التي يصوغ فيها هذه الفکرة. المقصود بالشکل تلك البنية اللفظية التي هي عماد الأثر الأدبي، مضافاً إليها کل المحسّنات البديعية المزخرفة بها» (وهبة والمهندس، 198٤م، ص 220). 3ـ2. المضمون[2] في اللغة، أن المضمون يعني: «المحْتوى. ومنه مضمون الكتاب: ما في طيِّه. ومضمون الکلام: فحْواه وما يفهم منه. والجمع: مضامين» (مصطفى وآخرون، 1960م، ص 545). أمّا المضمون في الأدب، فهو «المعاني والخواطر التي يرمز لها بالألفاظ والصيغ الأدبية» (وهبة والمهندس، 198٤م، ص 369). 3ـ3. العلاقة الترابطية بين الشکل والمضمون من الموضوعات المهمة في العمل الفنّي عامّة، والشعر خاصة، هي العلاقة الترابطية بين الشكل والمضمون، حيث «لا شکل بدون فکرة ولا فکرة مجردة عن الشکل» (المصدر نفسه، ص 220). في هذا النوع من العلاقة، يتأثر كل من الشکل والمضمون بالآخر، ويمكن أن يساعد كل منهما على توضيح المعنى وفهمه بشكل أفضل؛ «لأنّ شکل الأثر الأدبي متصل اتصالاً وثيقاً بما يسمّی بالمضمون الذي هو وحدة الفکر والخيال» (المصدر نفسه). إنّ الشكل والمضمون وجهان لعملة واحدة. فهذا يعني «في العمل الفني، أنّ الشكل والمضمون هما الوسيلة والغاية في اللحظة نفسها. فالمضمون لا تنتهي جدته بمجرد معرفته، كما يحدث في المقال أو الخبر الصحفي أو البحث العلمي، بل يستمد جدته من الشكل الفني الذي لا بد أن يكون جديداً بالضرورة» (أحمد، 2016م، ص 261). إنّ المضمون بالنسبة للشكل بمثابة الروح بالنسبة للجسد. وإذا انفصل المضمون الفكري عن الشكل الفني، فإنّ العمل الفني يسقط جثة، لا روح فيها (المصدر نفسه). بشكل عام، فيمكن القول إنّ الشكل والمضمون في العمل الفنّي عامّة، والشعر خاصة، يتأثران ببعضهما بعضاً، وإنّ الشاعر يستخدم الشكل الشعري واللغة بشكل متقن، من أجل التعبير عن المضمون المعين ونقله بطريقة فنية وجمالية. 3ـ4. ضرورة التلاؤم بين الشکل والمضمون إنّ الغرض الرئيس في الشعر هو التأثير في المتلقي. والشاعر يسعی إلی الارتقاء بشعره من المستوی التبليغي إلی المستوی التأثيري. ومن أجل التأثير في المتلقّي، يجب أن يکون هناك ارتباط وثيق وتلاؤم کبير بين التركيب الشكلي للشعر ومحتواه النفسي والمعنوي، حيث إنّ هذا التلاؤم يؤدّي إلی جمال الشعر، وتعزيز ثقافة القارئ، وترابط العلاقات بين القارئ والمؤلف. فيما يتعلّق بضرورة التلاؤم بين الشکل والمضمون، يقول ابن عربي: «جمال الشعر والکلام أن یجمع بین اللفظ الرائق والمعنی الفائق» (1420ه، ج 4، ص 35). وهذا يعني أنّ الشاعر يسعی إلی استخدام شکل شعري محدد للتعبير عن المضمون المعين. فمثلاً يستخدم الشاعر الوزن الثقيل والقافية الصوتية لإبراز المضمون الجدي والجهور. وهکذا قد قيل: «ينبغي للشاعر أن يوصل أفکاره السامية وعواطفه ومشاعره المختلفة وتخيلاته البعيدة إلی المتلقّي، عن طريق الکلمات، لدرجة يخلق فيه انفعالاً، يشبه بانفعاله نفسه. القيام بمثل هذا العمل صعب وبحاجة إلی الذوق والموهبة والعديد من المقدّمات» (يوسفي، 1363ه.ش، ص 98). فإذا كان التركيب الشكلي للشعر يتمتع بالانسجام والتناسب اللازمين مع المعنى، فسيتحقق أحد المبادئ المهمة والأساسية للأعمال الفنية. ومن ثمرات هذا التلاؤم هي: زيادة تأثير المعنی، ومصداقية الشعر وخلوده، والتحميس وتجسيد المعنی (رنجبر، 1397ه.ش، ص 79 ـ 80). 3ـ5. الأسلوبية الأدبية من أجل الکشف عن مدی التلاؤم بين الشکل والمضمون، فإنّ أفضل طريقة متأصلة في الدراسات اللغوية هي تحليل النص على أساس منهج الأسلوبية الأدبية. «وهي تعنى بدراسة الأسلوب الأدبي بجانبيه الشكلي والمضموني، ويسعى أصحاب هذا الاتجاه إلى اكتشاف الوظيفة الفنية للغة النص الأدبي؛ وذلك عن طريق التكامل بين الجانب الأدبي الجمالي الذي يهتم به الناقد، والجانب الوصفي اللغوي .وهذا هو الذي يميز هذا الاتجاه عن الاتجاه اللغوي الذي لا يهتم بالمعنى، وإنما بالشكل والصياغة» (اللويمي، 2005م، ص 48). يمتاز الأسلوب الأدبي بأنّ الفكر يمتزج فيه بالعاطفة، وهدفه التأثير والإقناع معاً. وهو يستعين بالأخيلة والصور لنقل أحاسيس الأديب ومشاعره إلى القارئ والسامع. وفيما يلي، يمکن تلخيص ما يؤدّي إلی تشاکل وتآلف الشکل والمضمون في اللغة الأدبية: 1ـ الممازجة بين الأسلوب الخبري والأسلوب الإنشائي، مما يكسب الكلام حيوية؛ 2ـ الاستعانة بالصور والأخيلة التي تنقل المتلقي إلى أجواء، يسرح فيها الخيال، وتحيا فيها الطبيعة والأشياء، وتتجسد المجردات بهدف الإيضاح والتأكيد والإقناع والتأثير، ونقل تجربة الكاتب نقلاً أفضل؛ 3ـ إبراز ذاتية الكاتب، والتعبير عن عواطفه ومشاعره وأحاسيسه ورؤاه وآرائه ونظرته الخاصة إلى العالم؛ 4ـ العناية بتحسين الكلام، وذلك باستخدام بعض المحسنات البديعية، كالجناس، والطباق، والمقابلة، والتورية؛ 5ـ الحرص على موسيقى اللفظ والتأليف. ويتجلى ذلك في جرس الكلمات، والوزن، والقافية، والسجع، والموسيقى الداخلية المنسجمة المناسبة لمضمون النص؛ 6ـ اختيار الألفاظ الفصيحة المناسبة للموضوع والبعيدة عن الابتذال، والتي تدل على الذوق العالي والتمكن اللغوي وسعة الثقافة (عطاب وطرّاحة، 2024م، ص 984). من ثمَّ، يهدف هذا البحث بشكل رئيس إلی التعرف على الملامح الأسلوبية في مختلف المستويات الصوتية، والنحوية، والبلاغية، والمعجمية، للکشف عن مدی المشاکلة بين الشکل والمضمون في قصيدة إلی أمّ کلثوم.
4ـ1. المستوی الصوتي (الإيقاعي) کان أحمد شوقي مولعاً بالعروض وموسيقی الشعر، بحيث للموسيقی مكان هام في شعره. يقول أحمد عنتر مصطفى في كتابه شوقيات الغناء: کان شوقي على صلة وجدانية وإبداعية بالموسيقى والطرب. وهو شاعر تجلت في قصائده موسيقى الكلام باطنة وظاهرة، حتى قيل عنه: إنّه وُلِد ليكون موسيقياً، فصار شاعراً. هذا فضلاً عن تكوينه النفسي، وثقافته المنفتحة على الفنون وجماليات الإبداع، واطلاعه على الثقافات الغربية، بما فيها الموسيقى (2021م، ص 35). يرى الشاعر أنّ الموسيقی تمثل ركناً هاماً وأساسياً في بنائه الشعري؛ وسبب هذا الأمر نبوغه وحسه المرهف بالأصوات والاعتماد علی ما رأيناه لديه من ثقافة واسعة بالموسيقی. أمّا فيما يتعلّق بالموسيقی الخارجية، فقمنا بدراسة هذا النوع من الموسيقی في قصيدته، من خلال وصف البحر المستخدم وخصائصه، ثم تطرقنا إلى مسألة استخدامه له تاما ومجزوءا، ثم وقفنا بعد ذلك على القافية، فتناولنا أنواعها من حيث التقييد والإطلاق وحظ الأصوات العربية من الاستعمال روياً. وأمّا المحور الثاني، فخصصناه لدراسة ما اصطلح عليه بالموسيقی الداخلية، حيث درسنا هذا اللون من الموسيقی من خلال محور التكرار الصوتي. وهو الغالب في هذه القصيدة، حيث نراه ذلك عينة أسلوبية. إذا دققنا النظر في هذه القصيدة، نری أنّه استخدم قصيدة عمودية مبنية علی البحر البسيط التام. فوزن هذا البحر هو التالي:
وهو «يقرب من الطويل، وإن کان لا يتّسع مثله لاستيعاب المعاني، ولا يلين لينه للتصرف بالتراکيب مع تساوي أجزاء البحرين؛ ولکنّه يفوقه رقّة وجزالة» (الشايب، 2011م، ص 322). أمّا السؤال الذي يطرح هنا، فهو: هل اختار شوقي لشعره من الأوزان ما يلائم عاطفته؟ کما نعلم أنّ البحور تختلف باختلاف المعاني والأغراض. «وخير الأوزان ما لاءم موضوعه أو عاطفته العامّة. وعلی الناقد أن ينظر في هذه الصلة بين المعنی والوزن. لعلّه يجد في ذلك تناسباً، يکسب النظم قوة وجمالاً» (المصدر نفسه، ص 324). من المعلوم أنّ تجربة شوقي الشعرية في هذه القصيدة ذاتية. فهي ما تعبر عن ذاته، وتصور أحاسيسه ومشاعره. وإنّ الأشعار الغزلية عادة ما تتطلب البحور القصيرة. «وفي الحقّ، أنّ النظم حين يتمّ في ساعة الانفعال النفساني، يميل عادة إلی تخيّر البحور القصيرة وإلی التقليل من الأبيات» (أنيس، 1952م، ص 177). مال شوقي في هذه القصيدة إلی التقليل من الأبيات، إلا أنّه اختار وزناً کثير المقاطع. فلماذا؟ إذا دققنا النظر في شعر شوقي الغزلي هذا، نری أنّه يرتبط بالحزن والتحسّر، حيث کان يعاني من انفراط أيام الحبّ والهوی. ولا بدّ أن تتغيّر نغمة الإنشاد تبعاً للحالة النفسية. «فحالة الشاعر النفسية في الفرح غيرها في الحزن واليأس، ونبضات قلبه، حين يتملکه السرور سريعة يکثر عددها في الدقيقة؛ ولکنّها بطيئة، حين يستولي عليه الهمّ والجزع» (المصدر نفسه، ص 173). أمّا من ناحية تخيّر القافية، فنری أنّ شوقي استفاد من قافية "الهاء" المفتوحة مع "ألف" الإطلاق. بمعنی آخر، أنّه ركز في قافيته على جمع "ألف" الردف مع "ألف" الإطلاق، فضلاً عن "الهاء" التي بينهما. ويتبين لنا أن جميع هذه الحروف (ا + ه + ا)، تدل علی الآهات المكبوتة لديه. فيما يتعلّق بالموسيقی الداخلية، فأبرز سمة، تمتاز بها هذه القصيدة، هي ظاهرة التکرار، منها التکرار الصوتي والتکرار اللفظي. أمّا التکرار الصوتي، فهو من أنماط التكرار الشائعة والمنتشرة، ويتمثل في «تكرير حرف، يهيمن صوتياً في بنية المقطع أو القصيدة» (الغرفي، 2001م، ص 82). إنّ جرس الموسيقی في القصيدة واضح. ونلاحظ أنّ صوت "الهاء" قد هيمن علی هيكل النص، وتكرر 2٦ مرة. فضلاً عن ذلك، نری أنّ حرف "السين" خلق التکرار الصوتي المتميّز في البيتين الأولين، وهما:
(1979م، ج 2، ص 1٦1).
كما نعلم، أنّ حرف "السين" هو أحد الحروف الصفيرية. فصوته المتماسك النقي يوحي بإحساس لمسي بين النعومة والملاسة، وبإحساس بصري من الانزلاق والامتداد، وبإحساس سمعي هو أقرب للصفير، وهو الحرف الذي يدل علی الرقة واللين (عباس، 1998م، ص 110 ـ 111). من ناحية أخرى، ربما يذكّر تكرّر السينات في البيت، ببيتي أبي نواس:
(1953م، ص 159). ويمتاز هذا الصوت بصفير عالٍ، يوحي بنفس قلقة، ويدل على الحرقة والانحدار والعلو، وينسجم مع رؤية أمّ کلثوم، لما يحيط به من اضطراب. ومن أمثلة التكرار، نجد أيضاً تكرار حرف "الهاء". فقد تكرر 55 مرة في القصيدة. فهو «صوت رخو مهموس، يدل على الاهتزاز، والاضطراب، والشقاء، والألم، والحزن، كما يوحي تكرارها بشيء من الضيق والتعب» (أنيس، د.ت، ص 76). ومن العبارات التي تحوي هذا الحرف هي عبارة "آهاً لأيام الهوى آها"، حيث يرينا تأوّهات الشاعر. ومن أمثلة التكرار اللفظي في هذه القصيدة، نجد كلمتي "أيّام الهوی" و"آه" اللتين تدور القصيدة حولهما، حيث يقول:
(1979م، ج 2، ص 1٦1). كما نری أن "أيّام الهوی" هنا تبرز محور الإيقاع، بوصفها الأساس الذي بنيت عليه قافية النص. وإتيان الشاعر بها بشكل ردّ العجز علی الصدر يمثّل سر البنية الإيقاعية ومفتاحها في آن واحد. كما يظهر في هذا البيت أن شوقي استخدم هذه الکلمات للتعبير عن المعاناة من تسارع الأيام. 4ـ2. المستوی المعجمي إنّ الألفاظ موادّ رئيسة، قد استخدمها الشاعر للتعبير عن تجربته الشعرية. ومن أجل عملية التشاکل والتلاؤم بين الألفاظ والمضمون، يجب مراعاة حال اللفظ لمقام الكلام. قد قال سويفت[3]: «الأسلوب کلمات مناسبة في مواضع مناسبة» (الشايب، 2011م، ص 257). وهذا يعني أنّ الکلمات لها تأثير بحسب موقعها من أخواتها، وفي الجو العاطفي الذي تعيش فيه، ومقتضی الحال الذي استدعاها، حيث إنّ هذا التلاؤم بين اللفظ وموقعه من الجملة يسمّی برشاقة الکلمة التي حسب قول ابن عاشور تعني «أنّ لكلّ كلمة مع صاحبتها مقاماً» (1984م، ج 7، ص 127). فإذا أراد مؤلّف بعث عاطفة وتصوير إحساس، کان عليه ألا يکتفي بمعاني الکلمات، وإنّما يستعين برشاقتها، وتأليفها، وموسيقاها، ومواقعها في التراکيب، ومعانيها المجازية. بمعنی آخر، ينبغي للمؤلّف أن يبتغي القوّة والجمال، حتی يحقق رغبات الذوق والوجدان، ويثير العاطفة في نفوس القرّاء (الشايب، 2011م، ص 256). وهذا هو قول الجرجاني، حيث يقول: «إنّك تری الکلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعینها، تثقل علیك، وتوحشك في موضع آخر» (1995م، ص 16). من ثمّ، فإنّ المعيار المهم لجمال اللفظة أو العبارة هو أنّ غيرها لا يستطيع أن يحلّ محلها. إذا دققنا النظر في کلمات مختارة في هذه القصيدة، نری أنّها تلائم مضمون القصيدة؛ لأنّ مضمونها يتراوح بین الشوق، والحنين، وغلبة الدموع علی فراق الحبيبة، والإکثار من الشکوی، والحزن، والتأسّف علی أيّام الهوی التي ذهبت ولن تعود أبداً، إلا أنّ بعض الألفاظ تلعب دوراً محورياً في إلقاء هذه المضامين، ألا وهي "آه، وحَمامَةَ الأيكِ، ودجَى اللَّيل، وأيام الهَوى". تظهر في القصيدة كلمات ذات خصوصية، قد تكون مجرد مفردات عادية؛ ولكن لها في داخل القصيدة إيحاءات ودلالات متميزة. ومن تلك المفردات هي: "آه". کما هو معلوم أنّ المراد من الشکل في العمل الفني عامة، والشعر خاصة،
(1979م، ج 2، ص 1٦1). في الشطر الثاني، تدفع "آه" الأولی "آه" الثانية، ويتمّ إحياء البيت کلّه حقّاً. فهنا، نری أنّ الشکل ينشأ من اسم فعل بسيط بمعنى "أتألَّم" أو "أتوجَّع" لغرض المبالغة في التأوّه، تعبيرا عن توجّع أو شكوى من ألم أو وجع أو نحوهما؛ لذلك، فإنه لا يوجد في حقل اللغة شيءٌ، ليس له شكل من وجهة نظر علم اللغة؛ ولكن عندما تخدم هذه الأشكال اللغوية إبداع الشاعر، فإنها تكتسب شكلا فنيا. إنّ الکلمة الأخری التي لها دور محوري في هذه القصيدة، هي "حَمامَةَ الأيكِ". لا يحوم رمز الحمامة في الغزل العربي إلا في أجواء الحزن والألم، ولا يدل إلا عليها، ولا يوحي إلا بهما. ولهذا، أصبحت العلاقة بين الشاعر والحمامة علاقة تعاطف قائمة على المشاركة الوجدانية التي تربطهما معاً. لقد ارتبطت الحمامة والحمام في الشعر العربي غالباً بالبين والفراق، وحنين الأشواق؛ ذلك أن نَوْحَ الحمامِ يُثيرُ الشُّجونَ، فأكثر شعراء الغزل وقفوا عليها، وهي على الغصون تشجو، فمنهم من أيقظت فيه مواجع الغربة والاغتراب، ومنهم من أحزنته (شمسي وجعفر، 2009م، ص 2٦). لقد هام شوقي بذكر حمام الأيك؛ لأنّ هديلها ورنتها المشجية تُبدي المواجع، وتوقظ الحنين للحبيب، وتجدد قديم الذكريات، يقول:
(1979م، ج 2، ص 1٦1). نری أنّ شوقی استخدم حمامة الأيك، وناداها، وخاطبها سائلاً: من هو الذي كان يحاور حمامة الأيك التي تنوح بترديد صوتها الحزين، ومن كان في سواد الليل الذي عمّت ظلمته کل شيء، ولايری فيه نجم ولا قمر، يناجيها عن الشوق والغرام. وفي ذلك تعبير عن حالة الشوق والحزن التي أصابتها، فبدأت تبكي على فراق الحبيبة، وصارت تكثر من الشكوى والحزن على ذلك، ثمَّ يخاطبها بصفة "يا جارة الأيك"، ويسألها عن أيام الحب، ويتأسف عليها؛ لأنّها ذهبت ولا تعود أبداً. وهكذا نجد أنّ حَمامَةَ الأيكِ کيف تصوّر للقارئ مَواضِع الحنين، ومواقِف الحزن. فحينَ وصف شوقي الشوق، وهام بالحبيبة، رأيناه يذکر حَمامَةَ الأيكِ، واستعان بها في تصويرِ وجده، مستعملاً في كُلِّ ذلك ألفاظا حزينةً ملائمةً للسياقِ. فحَمامَةُ الأيكِ تنوح، وتشتاق، وتبكي، وتنطِقُ بالأشواق، وهي محزونة، أسيفة مفجوعة بأليفِها (الخميسي، 12/ 08/ 2023م). إنّ الميزة الأولی لهذه القصيدة هي التصوير والنزعة الحسية الواضحة في تصاويرها. لقد اعتمد بناء القصيدة عند شوقي علی الصور الحسية البصرية، والسمعية، والشمية، والذوقية، والحركية، كما نراها في هذا الجدول:
کما هو معلوم، أنّ حاسة السمع لها حضور مکثّف في أبيات هذه القصيدة، حیث قد استطاع شوقي أن يعبّر عن الحزن والحنین، بمساعدة هديل الحمام الذي هو رمز للفراق. وبهذا الأسلوب، تمکّن الشاعر من خلق ملاءمة بين الشکل والمضمون؛ لأنّ الغناء الحزين الذي يتغنّی به حمام الأيك يذکّره بأيام الحبّ التي ذهبت، ولا سبيل إلی رجوعها. «وفي هذا، دلالة على أن الشاعر لم يكن يأنس إلا لهذه الحمامة، لما رأى من كونها تشاركه حالة الحب والعشق الذي يعيشه ويكابده، حينما أخذت على غصنها، تنادي بهديلها وتشدو» (الهاشمي، 201٤م، ص 113). ٤ـ3. المستوی البلاغي يتضمّن أيّ نص أدبي المحسنات البديعية والصور البيانية، لتضفي عليه سمة جمالية. إنّ الخيال والصور البيانية ضرورة لتصوير العاطفة. فاعتبر کولردج الصورة البيانية مرادفة للإحساس والعاطفة، وجعلها أساس الوحدة العضوية في العمل الفني. «فالصورة في الشعر ليست إلا تعبيراً عن حالة نفسية معينة، يعانيها الشاعر إزاء موقف معين من مواقفه مع الحياة. وإن أي صورة داخل العمل الفني إنما تحمل من الإحساس، وتؤدي من الوظيفة ما تحمله وتؤديه الصورة الجزئية الأخرى المجاورة لها» (العشماوي، 1970م، ص 108). سنبحث في هذا المستوی عن الخصائص التي تكسب النص سمتها الشعرية، وندرس الصور البيانية والبديعية في کل بيت علی حدة ما تحمله هذه الدوال من وظيفة توصيلية. يبدأ شوقي قصيدته بتوجيه سؤال إلى الذين يستمعون إليها، يقول:
(1979م، ج 2، ص 1٦1). إذا دققنا النظر في هذين البيتين، نری أنّ شوقي أظهر للمتلقّي مهارته وحذاقته لدقائق اللغات، حيث جاء بمرادفات الخمر وهي: الطِّلا بالكسر الخَمْر، وخُفِّفت الهمزة جوازا، والأصل: الطّلاء. «وبعض العرب يسمي الخمر الطلاء، يريد بذلك تحسين اسمها، إلا أنها الطلاء بعينها. قال عبيد بن الأبرص للمنذر حين أراد قتله :
كما أن الذئب، وإن كانت كنيته حسنة، فإنَّ عمله ليس بحسن؛ وكذلك الخمر، وإنْ سميت طلاء وحسن اسمها، فإنَّ عملها قبيح» (ابن منظور، د.ت، مادة طلي). السلاف: «السلافُ والسلافةُ من كل شيء خالِصُه. السُّلافةُ من الخمر أَخْلَصُها وأَفْضَلُها» (المصدر نفسه، مادة سلف). الرّاح: «الراح، وهي الخمر، وكل خمر رياح وراح. سميت راحاً؛ لأنّ صاحبها يرتاح، إذا شربها» (المصدر نفسه، مادة ريح). الحُمَيَّا: «بُلُوغ الخَمْر من شاربها. وقيل: الحُمَيَّا دَبِيبُ الشَّراب» (المصدر نفسه، مادّة حمو). وقيل: «الحُمَيَّا: الخمرُ نفسُها» (عمر، 2008م، مادة حمي). کما قال المتنبّي:
الحميا من أسماء الخمر، وهي من الأسماء التي لا تستعمل إلا مصغرةً. شبه الخمر بالشمس، والزجاجة بالبدر، وكفه بالبحر (الواحدي، 1999م، ج 1، ص 70). إنّ الإتيان بمثل هذه المرادفات حول الخمر يدلّ علی أنّه عارف بدقائق اللغة وضليع في استخدامها، کما أنّ التغنّي بشرب الخمر علناً يدل علی أنّه لم يکن من المتشبّثين بفرائض الديانة. لقد استخدم شوقي، وهو يتغنّی بمحبوبته من نشوة الحب التي سيطرت عليه، الاستعارة المکنية في الشطرين من البيت الأول، حيث أنسن فيه الخمر إلا أنّه حينما يؤنسن الخمر، لا يعلي من شأنها؛ لأنّه يعتقد أنّ الخمر إذا سقتها الحبيبة، اکتسبت القيمة. فهو بهذا التصوير يعبر عن نفسه وعن شخصيته تعبيراً صادقاً جريئاً، لا تكلف فيه ولا استحياء. أمّا النقطة الإبداعية التي يجدر الاهتمام بها، فهي أنّ شوقي قد استخدم کلمتي اللمس مع الفم والمس مع الثنايا. فما هي جمالية ذلك؟ للکشف عن جمالیة هذا الاستخدام، ينبغي فهم الفرق بين اللمس والمسّ، من حيث اللغة. فالفرق بينهما دقيق، كما بيّنه الراغب الأصفهاني في المفردات، يقول: «اللمس: إدراك بظاهر البشرة كالمس، ويعبر به عن الطلب. والمس يقال فيما يكون معه إدراك بحاسة اللمس» (د.ت، ص ٦0٤). بمعنی آخر، أنّ «اللمس بحسب المعنى اللغوي هو الإصابة بما به الإحساس من البدن بقصد الإحساس لملموس. أما المسّ، فهو مطلق الإصابة لا بقصد الإحساس؛ ولذلك يكون أعم من اللمس. ومن موارده هو الإدراك والفهم» (البلاغي، د.ت، ج 1، ص 33). من ثمّ، فيريد شوقي من الجمهور أن يسألوا کؤوس الخمر: هل لمست فم الحبيبة الجميلة؟ وأن يطلعوا أيضا: هل سرت ودبّت في جسدها، وأخذ فيها الشرابُ، وأفقدها صَحْوها؟ فهل أخذته النشوة؟ فالاستفهام هنا إنکاري، بمعنی أنّ الخمر لم تلمس في يوم من الأيام فم الحبيبة، ولم تدبّ في جسدها، ولم تسکر. وفي هذا تلميحٌ إلی أنّ حبيبته، أمّ کلثوم، کانت حافظة القرآن، ولم تشرب الخمر في حياتها ألبتّة. ثم يتمنی لو کان يقبل وجه حبيبته، قائلا:
(1979م، ج 2، ص 1٦1). الملاحظة البارزة في هذا البيت هي إشراب "لو الشرطية الامتناعية" معنی التمنّي. وأصل "لو" شرطية أُشربت معنى التمني. قال المغربي: «قد يتمنی أيضاً بـ"لو" على وجه التوسع، ولو كان أصلها شرطي» (د.ت، ج 2، ص 2٤). إنّ تكرار حرف التمني "لو" يتناسب مع بُعد أمنية الشاعر؛ لأنّه کان يتمنی أن تسقيه من شراب وجهها. وهذا الشراب لم يکن إلا تقبيل الحبيبة. إنّ أصل هذه العبارة هي: سقتني من حمياها الصافي. والحميا في هذا التعبير استعارة لريق الحبيبة، حيث شبّه الشاعر ريق حبيبته بالحمّيا الصافي. ورغم العفاف الذي عُرف به شوقي، فإنّه اشترك مع الشعراء الحسيّين في ذكر ما يشتهي من فمِ الحبيبة. من ثمّ، فلا يری شوقي في التقبيل مساساً من عفّته، وإنما وسمٌ على الحبّ. ثمّ ينتقل الشاعر إلی وصف جسد الحبيبة. ومن الصفات التي ذكرها شوقي في غزله، هي قامة المرأة وليونتها وتثنيها. وفي هذا الوصف، يقول:
(1979م، ج 2، ص 1٦1). فقد شبه محبوبته بالبان؛ وأدرج أداة الشبه، وهي الكاف؛ والبان هو المشبه به. ومن شدة ليونة جسدها، فإنها كلما تمايلت وانثنى جسدها، انثنت معه الثياب التي تلتفُّ عليها. وهذا فيه إشارة إلى أنها في غاية الليونة والتثنّي. إنّ الغرض الرئيس من هذا التشبيه هو بيان مقدار حال المشبة، أي مقدار دلالة الحبيبة وميولتها وتثنّيها. ثمّ ينتقل شوقي إلی توصيف صوت الحبيبة، يقول:
(المصدر نفسه). لقد شبّه شوقي صوت حبيبته بالسّحر، تنجذب وتميل إلیه القلوب، إلا أنّه لم يکتف بهذا التشبيه، بل ميّز صوتها ونغمها عن غيرها من الأصوات والنغم، وكأنها أنغام كانت قد جرت من مزامير داود في إشارة إلى جمال صوتها وحديثها الساحر. تجدر الإشارة إلی أنّ في هذا البيت جرس ديني. فمن ناحية، قد يشير تعبير "حديثها السحر" إلى قول رسول اللّٰه (|) حين قال: «إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا» (المجلسي، 1983م، ج ٦8، ص ٤1٥). كما يشير فم داود إلی مزماره. والمزمار هو كتاب مقدس، ذكره القرآن الكريم بلفظ الزبور. وهو اليوم موجودٌ، اسمه مزامير داود، کما أشار إليه معظم المفسرين: «الزبور: كتاب داود، وهو مبثوث في الكتاب المسمى بالمزامير من كتب اليهود» (ابن عاشور، 198٤م، ج 17، ص 1٦2). والمراد بهذا التشبيه هو الصوت الحسن والعذب والرطب والندي. يشير شوقي إلی أنها حين تتحدث، يصل حديثها حداً من البلاغة، يأسر القلوب، ويأخذ الألباب، لما فيه من حلاوة وطلاوة، کما أنّها حين تغنّي، نغمتها شبيهة بنغم داود (8). في الأبيات الأربعة الأخيرة، يتغيّر صوت شوقي، ويميل إلی الحزن، حيث نری أنّه يخاطب حمامة الأيكِ التي هي شهيرة بتغريدها الحزين، لاسيّما في متن الليل. نجد في هذا الشعر أنّ الحمام قد حظي بمکان خاص. «فالحُزن والنواح هو الأساس عند الحمام. فالحمام هديله وسجعه بريد العشاق، وأنيس المحزونين، وسمير المغتربين. وعادةً ما يجد الشاعر في هديل الحمام بكاءً حزيناً يلقى في نفسه المُلتاعة التي تحمل الشوق لمن يحب، والجوی عن فقده من هجر» (الهاشمي، 201٤م، ص 112). في هذه القصيدة، کان صوت حَمامَة الأيكِ مرآةً لحال شوقي المحبّ، وصورة، عبّر فيها شوقي عن لواعج قلوبه، خاصة لوعة الحنين وحرقة الجوى، حيث قال:
(1979م، ج 2، ص 1٦1). يبدأ الشاعر هذا البيت بمخاطبة حمامة الأيك، حيث شبّهها بالإنسان الذي ينوح ويشعر، وحذَف المشبه به، وهو الإنسان، وذكر شيئا من صفاته، وهو النواح والشعور. لقد استأنس شوقي بالحمامة، فأخذ في كشف مشاعره وأحاسيسه، وذكر ما يعانيه من العشق والشوق. أمّا في الأبيات الأخيرة، فنشاهد شدة الاشتياق إلی الحبيبة والبکاء علی ما أصاب به من فراقها، حيث قال:
(المصدر نفسه). لقد استخدم شوقي في البيت الأوّل محسّنة مراعاة النظير. «وهو الجمع في العبارة الواحدة بين المعاني التي بينها تناسبٌ وائتلاف ما، بغير وجود تضاد بينهما. ويكون هذا التناسب بين معنيين فأكثر» (عتيق، 200٦م، ص 179). في هذا البيت، قد جمع شوقي بين المفردات التي بينها تناسبٌ وائتلاف ما. ووقع التناسب في جمع كلّ من "الجيد"، و"الأذن"، و"العين"؛ إذ إنّ جميعها من أعضاء الجسم. إذا دققنا النظر في القصيدة بأسرها، نری أنّ شوقي قد استخدم محسنة مراعاة النظير بشکل آخر، ألا وهو جمع الأصوات الضمنية المتلائمة بعضها بعضاً، حيث تصبح القصيدة مجموعة من الأصوات من ناي داود وحنجرة شاعر إلی هديل حمامة، مما يؤدّي إلی خلق التلاؤم بين الشکل والمضمون. أمّا الکناية، فهي واضحة في هذه الأبيات، حيث إنّ رمي الأذن لليل کناية عن الإنصات إلى صمت الليل الذي لا ينتهي. وفي ذلك تعبير عن حالة الشوق والحزن التي أصابتها، حيث غلبتها دموعها، فبدأت تبكي على فراق الحبيبة. 4ـ4. المستوی الترکيبي يهدف هذا المستوی إلی دراسة ترکيب الأبيات، ويهتمّ بضروب من التراکيب الغالبة علی النص. فهل يغلب عليه الترکيب الفعلي أو الاسمي أو الخوالف أو تغلب عليه الأساليب الإنشائية أو الخبرية (خليل، 2003م، ص 166). قد بادرنا الشاعر أحمد شوقي في مطلع هذا الغزل بأسلوب الاستفهام الإنکاري، يقول:
(1979م، ج 2، ص 1٦1). يتضح من کلام شوقي، أنّ الجملة الواقعة بعد "هل" لم يجب عليها؛ لأنّ المعنی غير مقصود به الاستفهام، وإنّما المقصود به المبالغة في طهارة الحبيبة وعدم شربها الخمر، ولو بجرعة واحدة. بمعنی آخر، قد استخدم شوقی محسّنة تجاهل العارف. قد عرّفه النويري بقوله: «هو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة، تجاهلاً منه ليخرج کلامه مخرج المدح أو الذم، أو ليدل على شدة التدله في الحب، أو لقصد التعجب أو التوبيخ، أو التقرير» (د.ت، ج 7، ص 123). وفائدته المبالغة في المعنی (ابن حجة الحموي، 1991م، ج 1، ص 2). فشوقي يسأل عن شيء يعرفه؛ ولكنه يُظهر للمخاطَب أنّه في حَيرة من أمرها، ويقصد بتجاهله بيان شدة الشبه الواقع بين المتناسبين، وكأن الأمر أحدث التباساً عنده. فإنّه نوع من التعجب الذي يصل إلى المبالغة. بمعنی آخر، يعرف شوقي أنّها لم تشرب الخمرة قط، إلا أنّه استخدم الاستفهام الإنکاري على سبيل المبالغة والتعجب. وفي تجاهله، يؤكد على طهارة الحبيبة وعفتها واحتشامها. من الأساليب الإنشائية الأخری التي لها دلالات ضمنية، تلائم مضمون القصيدة هو أسلوب النداء الذي انزاح هنا عن معناه الأصلي إلى معنى التحسّر والندب علی ما کان من الأيام الجميلة المشحونة بالحبّ والهوی:
(1979م، ج 2، ص 1٦1). النداء في هذا البيت يفيد الندبة والتحسّر، حيث يتحسر الشاعر على أيّام الحبّ والهوی التي انقضت، ويرى أنّ الحياة اختلت بسبب ذهاب تلك الأيّام، وزالت منها الأفراح والمسرات، حيث إنّ إفادة التحسّر هذه متجلّية في تکرار کلمة "آه" و"أيّام الهوی". أمّا فيما يتعلّق بالجمل المستخدمة في هذا الغزل، فنری أنّها تتراوح بين الاسمية والفعلية، إلا أنّ الجمل الفعلية بالزمن الماضي هي السائدة والغالبة علی جسد النص. غلبت الأفعال الماضية على الأفعال المضارعة؛ لأنّ الشاعر يسترجع الذكريات التي عاشها، إلا أنّها أصبحت الآن كالحلم، الأمر الذي يجعله يعاني من أيّام الحب والهيام التي انقضت. إضافة إلى ذلك، يتمنّى أن يعود الماضي الجميل المليء بالحبّ والغناء ممحياً حاضر الألم والفراق. أمّا الشاعر، فعندما أراد أن يصف جمال الحبيبة الخارجي، استخدم الجملة الاسمية الدالة علی الثبات، نحو قوله:
(المصدر نفسه). کما هو معلوم، أنّ شوقي جاء بالجملة الاسمية المتکوّنة من المسند والمسند إليه، إلا أنّ المبتدأ أو المسند إليه "هي" محذوف جوازاً، والمسند اسم "هيفاء"، مما يدلّ علی أنّ صفة "هيفاء" ثابتة ودائمة في الحبيبة. إنّ صفة الهيفاء تشير إلى المرأة الجذابة التي تتمتع بخصر نحيف وقامة متناسقة. «والهَيفاءُ لُغَةً هي ذاتُ الهَيَف، وهو دِقّةُ الخصرِ وضُمورُ البطنِ» (ابن منظور، د.ت. مادة هيف). في هذا السياق، يمكننا الإشارة إلى أنّ أمير الشعراء، حين يتغزل بالحبيبة، أم کلثوم، التي يتميز جمالها بكونها هيفاء، أي ذات خصر رشيق وقامة سلسة، وهي صفات يُعتبر وجودها في المرأة محبذ للغاية، قد استخدم الجملة الاسمية الثابتة التي لم ولا ولن تتغيّر، وهو متغزّل بأمّ کلثوم الحسناء الهَيفاء، أي ذات خصرٍ نحيلٍ وقامة ممشوفة. وهي صفة مُستَحبة في المرأة. أمّا النقطة المهمة التي ينبغي ذکرها، فهي أنّ المرأة وصفت كثيراً في الشعر عاماً، وشعر الغزل خاصة. وكان التركيز في قصائد الشعراء على صفاتها الجسدية، بحيث قد ذكروا شَعر المرأة وجيدها وامتلاء قامتها والثغر الباسم، ووصفوا جمال الشفتين ونظارة الوجه، ووصلوا في الوصف إلى ساقيها وقدميها وحليها، إلا أنّ شوقي لم يذکر في هذا الغزل هذه الأوصاف، بل اکتفی بما تتميّز به حبيبته، ألا وهو لطافتها ورشاقتها وصوتها الحسن. بمعنی آخر، إذا دققنا فيما قيل عن صفات الحبيبة لدی غيره من الشعراء، نری أنّه قلّما ذکر وصف صوت الحبيبة، إلا أنّ أحمد شوقي قد أشار إلی هذا الجانب من حبيبته؛ لأنّها تتميّز به، حيث لقّبت بکوکب الشرق:
(1979م، ج 2، ص 1٦1). جاء شوقي بالجملة الاسمية لتوصيف صوت الحبيبة، وشبّهه بالسحر لما فيه من قوّة الجذب، إلا أنّ النقطة المهمّة في هذه الجملة إتيان الخبر معرّفاً بـ"ال"، حيث هي مضادّة لما هو معتاد في النحو؛ لأنّ الخبر في النحو المعيار يجب أن يکون نکرة، وتعريفه يدل علی قصر الخبر في المبتدأ، أي السحر لا يکون إلا في صوتها وحديثها. بمعنی آخر، لو قال شوقي: "حديثها سحرٌ"، لأفاد هذا التعبير ثبوت السحر للحبيبة، من دون نفيه عن غيرها. أمّا تعبير "حديثها السحر"، فإنّه، بالإضافة إلی ثبوت السحر للحبيبة، يفيد قصر السحر عليها، دون غيرها. والقصر هنا قد زاد مبالغة وادعاء، حينما شبّه صوتها الحسن بنغم، جرت علی فم داود (8)، مما جلب السحر قدسيةً ما، مثل قدسية مزمار داود. وفي البيت كما نوّهنا، فضاء ديني. فمن ناحية، قد يشير تعبير"حديثها السحر" إلى قول "إن من البيان لسحرا"، كما يشير فم داود إلى مزماره.
الخاتمة تناول هذا البحث موضوع تلاؤم الشکل والمضمون في قصيدة إلی أمّ کلثوم، للشاعر، أحمد شوقي، ووضح لنا جملة من النتائج. لعل أبرزها ما يلي: إنّ الأشعار الغزلية عادة ما تتطلب البحور القصيرة والتقليل من الأبيات، إلا أنّ شوقي اختار وزناً کثير المقاطع؛ لأنّ حالة شوقي النفسية في هذه القصيدة مائلة إلی الحزن، وبالتالي أصبحت نبضات قلبه بطيئة. من ثمّ، فاستخدم البحر البسيط الثقيل، للتعبير عن الحزن والثقل النفسي الذي توازيه داخلياً ذات الشاعر العاشقة والمتحسّرة. أمّا من ناحية تخيّر القافية، فنری أنّ شوقي استفاد من قافية "الهاء" المفتوحة مع "ألف" الإطلاق. بمعنی آخر، أنّه ركز في قافيته على جمع "ألف" الردف مع "ألف" الإطلاق، فضلاً عن "هاء" التي بينهما. ويتبين لنا أن جميع هذه الحروف (ا + ه + ا)، تدل علی الآهات المكبوتة لدی شوقي. في الموسيقی الداخلية، حصلت مشاکلة الشکل والمضمون في استخدام التکرار الصوتي، لا سيّما في تکرار صوت "السين والهاء"، وسـاعده في ذلك وجود القافیة، حيث إنّ الأصوات الصفیریة مثل "السين" ومجاورتها لـ"الهاء" أنتجت موسیقی حزینة، تتلاءم مع الجو النفسي للشاعر. في المستوی المعجمي، تبيّن لنا أنّ الشاعر استخدم کلمات، تلائم مضمون القصيدة؛ لأنّ مضمونها يتراوح بین الشوق والحنين، وغلبة الدموع علی فراق الحبيبة، والإکثار من الشکوی والحزن، والتأسّف علی أيّام الهوی التي ذهبت ولن تعود أبداً، إلا أنّ بعض الألفاظ تلعب دوراً محورياً في إلقاء هذه المضامين، ألا وهي "آه، وحَمامَةَ الأيكِ، ودجَى اللَّيل، وأيام الهَوى". لقد هام شوقي بذكر حمام الأيك؛ لأنّ هديلها ورنتها المشجية تُبدي المواجع، وتوقظ الحنين للحبيب، وتجدد قديم الذكريات. استلهم شوقي في هذه القصيدة بالظلام، والإصغاء لأصوات مجهولة، مما يدلّ علی الوحدة والعزلة. إنّ الدجی يرمز إلى الجوانب غير المرئية من عواطفه والأجزاء المحجوبة من نفسه، کما أنّ اللون الأسود والبکاء وشجی الحمام کلّها مستخدمة لتمثيل الفقدان وخلق جو من الحزن والغموض. في المستوی البلاغي، رأينا أنّ التشبيهات والاستعارات التي استخدمها شوقی، لیست زخرفاً معلقاً بها، بل إنّها ثمرة لحاجة التعبير. وهذا يدل علی أنّ التصنع البديعي لا يفرض علی هذا النص الشعري. فهو اشترك أيضا مع الشعراء الحسيين في ذكر ما يشتهي من فمِ الحبيبة. من ثمّ، لا يری شوقي في التقبيل مساساً من عفّته، وإنما وسمٌ على الحبّ. أمّا فيما يتعلّق بوصف جمال الحبيبة الخارجي، فهو اکتفی بليونتها وصوتها، وهو صادق التعبير، حيث لجأ إلی التناص الديني، وأضفی علی القصيدة فضاء دينياً من خلال اقتباس قول رسول اللّٰه (|)، والتلميح إلی مزمار داود (8)، للتعبير عن الصوت الحسن وتمييزها عن غيرها من الأصوات والنغم. إنّ ذروة تشاکل الشکل والمضمون تتجلّی في مخاطبة حمامة الأيك التي هي شهيرة بتغريدها الحزين لاسيّما في متن الليل، حيث کان صوت حَمامَة الأيك مرآة لحال شوقي المحبّ، وصورة، عبّر فيها شوقي عن لواعج قلوبه، خاصة لوعة الحنين وحرقة الجوى. في المستوی الترکيبي، يتبيّن لنا أنّ الجمل تتراوح بين الاسمية والفعلية، إلا أنّ الجمل الفعلية بالزمن الماضي هي السائدة والغالبة علی جسد النص؛ لأنّ الشاعر يسترجع الذكريات الجميلة التي عاش معها إلا أنّها أصبحت كالحلم؛ لکنّه عندما أراد أن يصف جمال الحبيبة الخارجي، استخدم الجملة الاسمية الدالة علی الثبات. بالإضافة إلی ذلك، لجأ شوقي إلی بعض الأساليب الإنشائية، کالاستفهام الإنکاري للتأکيد علی طهارة الحبيبة وعفتها واحتشامها، کما استخدم أسلوب النداء الذي انزاح عن معناه الأصلي إلى معنى التحسّر والندب علی ما کان من الأيام الجميلة المشحونة بالحبّ والهوی. في المستوی الفکري، يتبيّن لنا أنّ الفکرة الغالبة في هذا النص الشعري ليست مقصورةً في ذكر صفات الحبيبة وإعراضها عنه، وإنّما الفکرة العميقة هي معاناة الشاعر من ذهاب الأيام الجميلة والآهات المکبوتة التي خلّفها الشاعر في ذاته العاشقة والمتحسّرة. بمعنی آخر، أنّ هذه القصيدة بکل ما فيها من الخصائص الفنية کانت ترجمة فنية صادقة لتجربة حبّ، مذاقها المعاناة والحرمان، المعاناة التي ذاقها شوقي في حبّه لأمّ کلثوم.
[1]. Form [2]. Content [3]. Swift | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
| مراجع | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
أ. العربية ابن حجة الحموي، أبو المحاسن تقي الدين أبو بكر بن علي. (1991م). خزانة الأدب وغاية الأرب. تحقيق عصام شعيتو. ط 2. بيروت: دار ومکتبة الهلال. ابن عاشور، محمد الطاهر. (1984م). تفسير التحرير والتنوير. تونس: الدار التونسية للنشر. ابن عربي، أبو عبد اللّٰه محيي الدين محمد بن علي. (1420ه). الفتوحات المکية. تحقيق أحمد شمس الدین. بیروت: دار الکتب العلمیة. ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم. (د.ت). لسان العرب. بيروت: دار صادر. ابن يعقوب المغربي، أبو العباس أحمد بن محمد. (د.ت). مواهب الفتّاح في شرح تلخيص المفتاح. بيروت: دار الکتب العلمية. أحمد، إيناس أحمد. (2016م). الصورة بين الشعر والتشكيل في فنّ التصوير: حوار الشکل والمضمون. الجيزة: جمعية أمسيا. أنيس، إبراهيم. (د.ت). الأصوات اللغوية. القاهرة: مكتبة نهضة مصر. ــــــــــــــ . (1952م). موسیقی الشعر. ط 2. القاهرة: مکتبة الأنجلو المصرية. أيوب، حسام محمد إبراهيم. (1992م). الإيقاع في شعر أحمد شوقي: دراسة أسلوبية. عمان: الجامعة الأردنية. البلاغي، محمد جواد. (د.ت). آلاء الرحمن في تفسير القرآن. بيروت: دار إحياء التراث العربي. الجرجانی، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن. (1995م). دلائل الإعجاز. تحقيق محمد التنجي. بیروت: دار الکتاب العربي. حازم القرطاجني، أبو الحسن. (1986م). منهاج البلغاء وسراج الأدباء. تحقيق محمد الحبيب الخوجة. ط 2. بيروت: دار الغرب الإسلامي. خليل، إبراهيم محمود. (2003م). النقد الأدبي الحديث من المحاکاة إلی التفکيك. عمان: دار المسيرة. الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد. (د.ت). المفردات في غريب القرآن. مکة: مكتبة نزار مصطفى الباز للنشر والتوزيع. الشايب، أحمد. (2011م). أصول النقد الأدبي. ط 11. القاهرة: مکتبة النهضة المصرية. شمسي، حسن جبار؛ ومنصور مذكور شلش جعفر. (2009م). «الحمامة بوصفها رمزاً للمرأة في الغزل الأموي». أهل البيت عليهم السلام. ع 8. ص 26 ـ 33. شوقي، أحمد. (1979م). الديوان. تحقيق أحمد محمد الحوفي. القاهرة: نهضة مصر. عباس، حسن. (1998م). خصا ئص الحروف العربية ومعانيها: دراسة. دمشق: اتحاد الكتاب العرب. عتيق، عبد الرضا. (2006م). علم البديع. القاهرة: دار الآفاق العربية. العشماوي، محمد زکي. (1970م). قضايا النقد الأدبي المعاصر. الإسکندرية: الهيئة المصرية العامة للكتاب. عطّاب، نسيمة؛ وزهية طرّاحة. (2024م). «الاتصال الإعلامي للأدب الشعبي». معارف. ج 19. ع 2. ص 678 ـ 690. عمر، أحمد مختار. (2008م). معجم اللغة العربية المعاصرة. القاهرة: عالم الکتب. الغرفي، حسن. (2001م). حركية الايقاع في الشعر العربي المعاصر. الدار البيضاء: إفريقيا الشرق. الفاخوري، حنّا. (1986م). تاريخ الأدب العربي. ط 2. بيروت: المطبعة البوليسية. قاسمي، خولة. (2017م). قصيدة أندلسية لأحمد شوقي: دراسة أسلوبية. رسالة الماجستير. کلية الآداب واللغات. جامعة عباس لغرور. اللويمي، محمد سعيد. (2005م). في الأسلوب والأسلوبية. الرياض: مطبعة الحميضي. المجلسي، محمد بن باقر. (1983م). بحار الأنوار. تحقيق محمد تقي اليزدي ومحمد الباقر البهبودي. بيروت: مؤسسة الوفاء. مصطفی، أحمد عنتر. (2021م). شوقيات الغناء. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة. النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب. (د.ت). نهاية الأرب في فنون الأدب. نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب. القاهرة: وزارة الثقافة والإرشاد القومي. الهاشمي، حمد بن علي. (2014م). مخاطبة الطير في الشعر العربي حتى نهاية القرن الخامس الهجري. رسالة الماجستير. جامعة أم القری. الواحدي، أبو الحسن علي بن أحمد. (1999م). شرح ديوان المتنبي. تحقيق ياسين الأيوبي وقصيّ الحسين. بيروت: دار الرائد العربي. وهبة، مجدي؛ وكامل المهندس. (1984م). معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب. ط 2. بيروت: مکتبة لبنان. يحيى، منال مدكور عبد الواحد. (2024م). «سينية شوقي: دراسة أسلوبية». مجلة كلية الآداب. ج 16. ع 1. ص 1216 ـ 1258.
ب. الفارسية رنجبر، ابراهيم. (1397ه.ش). «نظریات ادبی دکتر غلامحسين یوسفی درباره صورت و معنی شعر». کاوشنامه. س 19. ش 37. ص 69 ـ 94. يوسفی، غلامحسين. (1363ه.ش). کاغذ زر. تهران: يزدان.
ج. المواقع الإلكترونية الخميسي، عامر. (12/ 10/ 2023م). حمام الأيكِ وحنين الشوق. https://www.hekmahyemanya.com زعرور، باسل. (28/ 12/ 2007م). قراءة في قصيدة سلو كؤوس الطِلا لأمير الشعراء. https://www.sama3y.net | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
آمار تعداد مشاهده مقاله: 602 تعداد دریافت فایل اصل مقاله: 205 |
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||