| تعداد نشریات | 43 |
| تعداد شمارهها | 1,842 |
| تعداد مقالات | 14,945 |
| تعداد مشاهده مقاله | 41,227,919 |
| تعداد دریافت فایل اصل مقاله | 16,017,939 |
القراءات القرآنية عند البالكي وأثرها في اختلاف المعاني من خلال حاشيته على تفسير البيضاوي | ||
| بحوث في اللغة العربية | ||
| مقاله 7، دوره 17، شماره 33، دی 2025، صفحه 91-110 اصل مقاله (798.12 K) | ||
| نوع مقاله: المقالة البحثیة | ||
| شناسه دیجیتال (DOI): 10.22108/rall.2025.143250.1551 | ||
| نویسندگان | ||
| زاهد عبدالغفور حسن1؛ هادي رضوان* 2؛ حسن سرباز2 | ||
| 1طالب الدكتوراه في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة كردستان، كردستان، إيران | ||
| 2أستاذ مشارك في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة كردستان، كردستان، إيران | ||
| چکیده | ||
| القراءات القرآنية من أجلّ العلوم قدراً؛ لأنها تعلقت بأعظم كتاب إطلاقاً في العالم السفلي والعُلوي. وهذا العلم يتضمن الاختلافات الموجودة في الأداء النطقي للكلمات القرآنية والمباحث الصوتية الدقيقة، مما يؤثر في تنويع المعاني القرآنية وتوسيعها. فإن العلماء المسلمين قديماً وحديثاً قدموا خدمة كبيرة في هذا المجال. ومؤلفاتهم من التفاسير والقراءات خير شاهد عليها. ومن العلماء المعاصرين الذين لهم بصمة في هذا الميدان، محمد باقر البالكي الكردي، صاحب تآليف متنوعة. ومن أهم تآليفه النافعة، حاشيته على تفسير البيضاوي، حيث تطرق فيها إلى الموضوعات اللغوية والبلاغية والقرائية. تهدف هذه المقالة، مستفيدة من المنهج الوصفي ـ التحليلي، إلى دراسة ما ذهب إليه البالكي في موضوع القراءات القرآنية من خلال حاشيته. فقام الباحثون بذكر المواضع التي يوجد فيها الاختلاف الواضح بين القراءات القرآنية، مع الإشارة إلى المصادر التي أشارت إلى تلك القراءات، وذكروا آراء المفسرين في تلك الخلافات والرأي الشخصي للبالكي، وقارنوا بينه وبين آراء المفسرين واختلاف تدقيقاتهم واستدلالاتهم وما حصل من تأويلاتهم واختلافاتهم للمعاني القرآنية، كل ذلك مع الإشارة إلى تلك المصادر التي تضمنت تلك الأقوال والاختلافات، وذكرِ ما اعتمد عليه البالكي من القواعد اللغوية والبلاغية ومعانيها، لتثبيت رأيه في تلك الموارد الخلافية، لكي يصل إلى ما هو المناسب مع النص القرآني. وحاول الباحثون الكشف عن تجديدات البالكي في هذا الموضوع، وما قام به في حاشيته من التدقيقات، وذكر الخلافات، وشرحها، وترجيحاتها، وآرائه الشخصية، واعتراضاته على البيضاوي والمفسرين، وإبدائه برأيه، وإن كان مخالفاً في ذلك جميع المفسرين. وهذا البحث حاول أن يجيب عن ما يأتي: ما منهج البالكي في البحث عن القراءات القرآنية في حاشيته؟ ما آراء البالكي الجديدة في مجال القراءات القرآنية؟ وصل البحث من خلال دراسته لهذا الموضوع إلى تأثير القراءات القرآنية على تغير المعاني وتنوعها واتساعها، وأن الصوت يلعب دوراً مركزياً في اختلاف المعاني، وأن البالكي في حاشيته يبدو كمفسر مستقل وناقد بارع بعيد عن التقليد، أتى بآراء جديدة، وبأساليب دقيقة لتحقيق الصواب وبيان الصحيح من المسائل. | ||
| کلیدواژهها | ||
| القراءات القرآنية؛ اختلاف المعاني؛ تفسير البيضاوي؛ حاشية البالكي | ||
| اصل مقاله | ||
|
. المقدمة القراءات القرآنية من العلوم الإسلامية الدقيقة التي تتعلق بكتاب اللّٰه تعالى مباشرة؛ لأنها تتركز على كيفية أدائه النطقي، وهو جانب واسع وعميق، يشمل جميع ما أدى إلى اختلاف المعاني والتلفظ من الحركات، والحروف، والتقديم، والتأخير، والذكر، والحذف، والوقف، والوصل. ومع ذلك، تعدّ ثروة ضخمة لإثراء اللغة العربية، حيث حفظت بواسطتها اللهجات العربية اختلافها وأداءها النطقي. وترجع أهمية القراءات إلى تأثيرها في تنويع المعاني واتساعها في النصوص القرآنية، حيث تعين المفسرَ في الكشف والعثور على المعاني المختلفة التي يشد بعضها بعضاً، دون التناقض بينها؛ لأن كل قراءة بمثابة آية أخرى في إعطاء المعاني. والعلماء من القراء والمفسرين اهتموا في كتبهم وتفاسيرهم بذكر القراءات، وأوجه الخلاف فيها، وما يؤدي إليها من المعاني المختلفة، وتحديد المرام في كلام اللّٰه تعالى، وقدموا خدمة ملحوظة في هذا الميدان. فينبغي أن نتمسك بها ونبحث عنها؛ لأن البحث والكتابة عن جهود علمائنا الأفاضل واجب علينا لإحياء تراثنا العلمي والأدبي والثقافي، وصيانتها عن الضياع، وتطور مشروع التعلم والتعليم، وارتباط الحاضر بالماضي لتقدم مسيرة العلم والمعرفة. ولهذا، وقع اختيارنا على حاشية البالكي على تفسير البيضاوي. وتفسير البيضاوي من التفاسير المشهورة في العالم الإسلامي، خاصة في مجال التفسير اللغوي والبلاغي. فالعلماء الكرد اهتموا به اهتماما بالغا بالتدريس والشرح والتحشية عليه؛ لأنهم أدركوا أن هذا التفسير بمثابة حلقة وصل بين ما سبقه وما لحقه من التفاسير، وجامعة لما فيها إيجازاً مع ما أودعه من تحليلات الأساليب القرآنية، والملاحظات اللغوية القيمة، وحاول، قدر المستطاع، أن يكشف عن الأسرار البلاغية واللغوية للآيات القرآنية. والتفسير مع صغر حجمه، حاوٍ لفنون كثيرة من اللغة والبلاغة والقراءات وما يدور حولها؛ لذا يحتاج الى توضيح ما غمض وتفصيل ما أجمل. فأقبل عليه العلماء بالشرح والتحشية. ومن هذه الحواشي النافعة، هي حاشية العلامة الملا محمد باقر البالكي الكردي. فهذا المقال يهدف، مستفيداً من المنهج الوصفي ـ التحليلي، إلى دراسة ما في هذه الحاشية من المسائل الصوتية المتعلقة بالقراءات القرآنية، ومدى تأثيرها في تفاوت المعاني، وبيان منهج البالكي في تحرير هذه المسائل وما اعتمد عليه للتحقيق فيها. والمقال يقتصر على الجانب المعنوي المركزي في وظائف الأصوات. 1ـ1. أسئلة البحث يحاول البحث أن يجيب عن السؤالين التاليين: ـ ما منهج البالكي في البحث عن القراءات القرآنية في حاشيته؟ ـ ما آراء البالكي الجديدة في مجال القراءات القرآنية؟ 1ـ2. خلفية البحث لقد أدرك العلماء من القدماء والمعاصرين مكانة القراءات وأهميتها، وألفوا كتباً وبحوثاً حولها، فضلاً عن ذكرها في التفاسير، فذكروا فيها أنواع القراءات برواياتها، ومعانيها، ودلالاتها، وما استنبط منها من الأحكام اللغوية والفقهية، وتأثيرها على إيجاد التأويلات المختلفة للآيات القرآنية. نكتفي بالإشارة إلى أهم الدراسات المعاصرة حول هذا الموضوع، فيما يلي: محمد سالم محيسن (م1422ﻫ)، في كتابه القراءات وأثرها في علوم العربية، الذي يشتمل على عدة أبواب وفصول، يتناول موضوعات متنوعة في علم القراءات القرآنية، بدءاً من نشأتها واختلافاتها، ووصولا إلى علاقة القراءات العشر بالأحرف السبعة. ويستعرض الكتاب مرجع الاختلاف في القراءات، ويتناول مواضيع متعددة، مثل: الجامد والمشتق، والفروق بين الصيغ الاشتقاقية، بالإضافة إلى التذكير والتأنيث، والذكر والحذف، والالتفات من الغيبة إلى الخطاب وبالعكس. في كل هذه المباحث، يقوم محيسن بتحليل دقيق لأوجه الاختلاف، مُستثمرا تلك الفروقات في مجال اللغة والبلاغة. عبد الهادي بن عبد اللّٰه حميتو (1980م)، في رسالة عنوانها اختلاف القراءات وأثره في التفسير واستنباط الأحكام، تناول نشأة القراءات وأسبابها، ومظاهر الخلاف بين القراء وأسبابها، واستعرض تطور الخلاف بين القراء في عهد الخلفاء الراشدين، مُناقشا تدوين المصحف وجمع القرآن، وكيف تم حسم الخلاف من خلال التدوين، وركّز على اختلاف القراءات في ضوء المصاحف العثمانية، مُتناولا القراءات الشاذة والقراءات السبع، مُحللاً الاختلافات الناتجة عنها وموقف العلماء والنحاة، وناقش أثر اختلاف القراءات في استنباط الأحكام الفقهية. ويتحدث محمد حبش (1999م)، في كتابه القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية، عن علم القراءات، موضحا معنى القراءة، ومفهوم الوحي، والقراءات السبع، وحكمة اختلاف القراءات، بالإضافة إلى الأحرف السبعة، ويركز على القراءات المتواترة وعملية جمع القرآن والرسم العثماني وخصوصياته، ويقوم بتحليل أوجه الخلاف بين القراءات وبيان آثارها في الأبعاد العقدية والفقهية. وهذا يعد من أهم مباحثه. فهد سعود العنزي (2007م)، في القراءات القرآنية في تفسير معالم التنزيل للإمام البغوي جمعاً ودراسة من سورة الفاتحة إلى سورة النساء، يستعرض حياة الإمام البغوي ومنهجه في التفسير، متناولا نشأة القراءات واختلافاتها ومفاهيمها ورواتها، وأيضاً يتطرق إلى عناية البغوي بالقراءات، مُبرزا منهجه في عرضها وكيفية الاحتجاج بها، مما يُظهر مدى دقته واهتمامه. ويقوم العنزي بدراسة وتحليل القراءات الواردة في تفسير البغوي، مُسلطا الضوء على توجيه القراءات ومعانيها واستكمالها، إلى جانب ما قاله البغوي عنها. عبد الرازق بن حمودة القادوسي (2010م)، في أثر القراءات القرآنية في الصناعة المعجمية: تاج العروس نموذجا، يتناول مفهوم القراءات والصناعة المعجمية، مُستعرضا منهج الزبيدي في تناول هذا العلم، ويتحدث عن القراءات القرآنية من منظور الصوائت والصوامت، ذاكرا جملة من المباحث الصوتية مثل الإدغام، والإبدال، والجمع بين الساكنين، والهمز، وهاء السكت، مما يُبرز الأبعاد الصوتية الدقيقة للقراءات، ويُركز على البنية الصرفية وتغيراتها المتعلقة بالأفعال والأسماء، ويناقش التغير الدلالي نتيجة لتغير الصوت أو البنية. أحمد بن جعفر (2015م)، في توجيه القراءات الشاذة في سورة الحج وأثرها في التفسير، تناول تصنيف القراءات الشاذة، مُبينا نسبتها إلى الصحابة والتابعين، بالإضافة إلى غير المنسوبة، ويركز على الجوانب الصرفية والصوتية وتأثيرها في التفسير، حيث يناقش موضوعات، مثل: المد، والإدغام، والإبدال، بالإضافة إلى الأفعال والأسماء، مُستعرضا كيفية تأثير هذه الظواهر على الفهم القرآني. فيتناول الجانب النحوي والبلاغي للقراءات وأثرها في التفسير. وبحثت مريم عماد الشيخ (2020م)، في بحث، عنوانه اختلاف القراءات وأثرها في التفسير، عن نشأة القراءات وتعريفها، مُميزة بين القراءة والرواية والطريقة والوجه، وتحدثت عن اختلاف القراءات في زمن الوحي وعهد الخلفاء الراشدين، مُحللة هذه الاختلافات في ضوء المصاحف العثمانية، واستعرضت صلة القراءات بالتفسير، وصنفت أقسام القراءات في سياق التفسير مُبينة ما هو المقبول منها. مراد جبار سعيد (2003م)، في رسالة عنوانها محمد باقر البالكي وجهوده في الفقه وأصوله، ذكر في الفصل الأول حياة البالكي وآثاره، وفي الفصل الثاني جهوده في الفقه وأصوله. ئاوات محمود النقشبندي (2015م)، في الملا محمد باقر البالكي وجهوده في التفسير، من خلال حاشيته (تتمة البالكي على تفسير البيضاوي)، ذكر في الفصل الأول الحالة السياسية والإقتصادية في عصر البالكي، وفي الفصل الثاني حياته الشخصية العلمية، وفي الفصل الثالث جهوده في التفسير. هادي رضوان في بحثين، عنوانهما: دراسة ونقد للاستعارة المكنية عند البالكي (1396ﻫ.ش)، والمنهج التفسيري للشيخ محمد باقر البالكي في حاشيته على تفسير البيضاوي، المباحث اللغوية والنحوية والبلاغية في سورة البقرة نموذجاً (1398ﻫ.ش)، بحث عن جهود البالكي في مجال التفسير والبلاغة. إذن، فحسب اطلاعنا على الدراسات السابقة حول الحاشية، موضوع المقال جديد، لم يُكتب بحث ولا مقالة بهذا العنوان حول هذه الحاشية.
من أبرز العلماء المعاصرين الذين اجتهدوا في العلوم اللغوية والدينية، وقدموا آثاراً علمية ملحوظة، هو الملا محمد باقر البالكي الكردي، الذي ولد في قرية نزار التابعة لمحافظة سنندج، وهي مركز كردستان الإيرانية، سنة 1316 للهجرة القمرية. بدأ مسيرته التعليمية بالدراسة الابتدائية، حيث ختم القرآن الكريم في سنّ مبكر، مما أرسى في نفسه حب المعرفة والتعلم. بعد ذلك، ابتدأ بدراسة العلوم العربية، متنقلا بين المدارس المحلية التي تميزت بالتعليم الجاد، وبرز بذكائه الفائق وقدرته على فهم المعاني العميقة، مما جعله يُصبح مرجعا، يُحتذى به بين زملائه وطلابه. عندما أتم دراسته، انتقل إلى إحدى قرى مريوان، باسم بالك، حيث انفتحت أمامه آفاق جديدة. هناك لم يكتف بالتدريس فحسب، بل أسس بيئة تعليمية قيمة، مُسهما في نشر العلوم المختلفة وإثراء المعرفة بين الطلاب. كانت لديه رؤية عميقة للتعليم، وكان مُتبحرا في العلوم العقلية والنقلية. قام البالكي بتأليف عدد من الكتب والمقالات، وحواشٍ غزيرة، تغطي موضوعات متعددة، مما أضفى على المكتبة العلمية إرثا غنيا، يعكس حبه للمعرفة وعمقه في العلوم ورغبته في إفادة الأجيال اللاحقة. توفي رحمه اللّٰه في سنة 1392ﻫ.ش؛ ولكن إرثه العلمي والثقافي استمر في التأثير على المجتمع. ترك وراءه مؤلفات، تعتبر مصادر إلهام للعديد من الطلاب والباحثين. وكانت حياته نموذجا للزهد والإخلاص في سبيل نشر العلم (المدرس، 1983م، ص 125 ـ 127؛ البالكي، 1377ﻫ.ش، ص 20 ـ 24). مؤلفات البالكي عديدة ومتنوعة بين الكتب والرسائل والحواشي، منها: الألطاف الإلهية شرح الدرر الجلالية؛ والتوفيق بين الشريعة والطريقة؛ والفريدة في العقيدة؛ وحاشية البالكي على تفسير البيضاوي؛ ورسائل نادرة في تصوف العرفاء؛ وحقيقة البشر.
وتعدّ حاشية الشيخ محمد باقر البالكي على تفسير البيضاوي، والتي صدرت باهتمام محمد مهدي الجوري عن دار كردستان في سنندج عام 2016م، عملاً قيماً في مجال الدراسات القرآنية. يبلغ حجم هذه الحاشية حوالي 500 صفحة، وتشمل جميع سور القرآن الكريم. تميزت هذه الحاشية بشموليتها، حيث تناول فيها المؤلف العديد من المسائل القرآنية واللغوية والبلاغية المتعلقة بتفسير القرآن، كما أظهر المؤلف قدرة كبيرة على التحليل والنقد، حيث لم يكتف بقبول آراء المفسرين السابقين، بل قدم آراءً جديدة وملاحظات قيمة. من أهم ما يميز هذه الحاشية اهتمامها بالقراءات القرآنية، حيث ناقش المؤلف مختلف القراءات واختلافها، وعرض آراء المفسرين السابقين حوله، ثم قدم تحليله الخاص، كما تناول المؤلف دور القراءات في تعدد المعاني وتوسيع دائرة فهم النص القرآني. وبفضل هذه الدراسة الدقيقة والمتعمقة، تعتبر حاشية البالكي إضافة قيمة للمكتبة الإسلامية، وتستحق أن تكون موضوعاً للدراسة والبحث.
القراءات جمع قراءة. والقراءة كيفية نطق الكلمات. والمراد بمصطلح القراءات القرآنية هو كيفية نطق الكلمات القرآنية واختلافها الصوتي الذي نشأ من الوحي المنزل على النبي (|)؛ لأنّ الوحي نزل على سبعة أحرف، كما ورد في الحديث النبوي: «إِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ» (البخاري، 1422ﻫ، ج3، ص 122). ومنها، تتكون القراءات المتنوعة للقرآن الكريم، المتعلقة بتلك الأحرف المنزلة؛ بعد ذلك، نسبت تلك القراءات إلى أئمة القراء: نافع المدني، وابن كثير المكي، وأبي عمرو البصري، وابن عامر الشامي، وعاصم الكوفي، وحمزة الزيات، والكسائي، وأبي جعفر المدني، الذين خصّصوا معظم أوقاتهم للقراءات القرآنية، فشغلوا بالقراءة والإقراء. فهي ـ أي نسبة القراءات إلى الأئمة ـ نسبة الملازمة دون الإبداع والتجديد؛ لأنّ القراءة القرآنية سنّة متّبعة، ليس فيها ابتكار وتجديد. قال الزركشي: «القراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما» (1957م، ج 1، ص 318). هذا التعريف يشير إلى عنصرين في تكوين القراءة، هما: الكتابة، والنطق. وعرفها ابن الجزري بقوله: «القراءات علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة» (1999م، ص 9). صرح هذا التعريف بالأمانة في ذكر القراءات ورواتها. وقال الزرقاني في تعريف القراءات: «مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراء مخالفا به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه، سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها» (د.ت، ج 1، ص 412). وهذا التعريف ينسب القراءات إلى أئمة القراءات، ويركز على الأداء الصوتي، سواء في ذات الحروف أم في هيئاتها من الحركة والسكون. إذن، القراءات من الموضوعات الصوتية؛ لأن معظم مسائلها ترجع إلى الصوت، مثل التشديد، والتخفيف، واستبدال الأصوات، والإدغام، والمد، والقصر، والفتح، والإمالة، والذكر، والحذف. وهذه المسائل تتبعها تغيرات وتسهيلات في النطق لا محالة، وبعضها تتبعه تغيرات في المعاني. إذن، القراءات لها دور رئيس في الأداء الصوتي واختلاف المعاني، ولها دور كبير في إثراء وتوسيع المعاني القرآنية؛ لأن كل قراءة تعطي معنى في حد ذاتها، كما تلمع هذه الحقيقة عند البالكي في حاشيته على تفسير البيضاوي. لقد اعتمد المفسرون على القراءات القرآنية، وبينوا أوجه الخلاف بينها، واستفادوا من توظيفها في مجالات متعددة، كالتفسير، والاستدلال، والترجيح. ومن خلال هذه القراءات، استنبطوا معاني متنوعة، تعزز بعضها البعض، فرغم اختلاف القراءات، تبقى المعاني متفقة. إنّ هذا التباين في القراءات يظهر قدرة القرآن على تلبية احتياجات الأفهام المختلفة، ويُعكس قدرة القرآن على تنوع أبعاده المعنوية وإعجازه البيانية. هذا التنوع يتماشى مع وحدة الهدف وتوسيع المعاني، ويعبر عن عمق البعد البلاغي الرفيع. إنّ التفاعل بين هذه القراءات يعزز من الحوار الفكري حول النصوص، ويفتح أبوابا جديدة لتفاصيل، قد تغفل في قراءة واحدة. والبحث في القراءات القرآنية يدخل في الدراسة الأسلوبية في أحد مستوياتها، وهو المستوى الصوتي؛ لأن الدراسة الأسلوبية تشمل المستويات الآتية: المستوى الصوتي، والصرفي، والتركيبي، والبلاغي. والقراءات بما أنها مبنية على اختلاف في الصوت، تندرج تحت المستوى الصوتي. «فالصوت عملية حركية يقوم بها الجهاز النطقي، وتصحبها آثار سمعية معينة، تأتي من تحريك الهواء فيما بين مصدر إرسال الصوت، وهو الجهاز النطقي ومركز استقباله، وهو الأذن» (حسان، 2006م، ص 66). والمستوى الصوتي هو الدراسة والبحث عن وظائف الأصوات، وهو نوعان: أحدهما الفونولوجية الصوتية التي تتمثل في تكوين المقطع، والنبر، والتنغيم، والإيقاع، والإدغام، والقلب، والتحريك، والتسكين، والمد، والقصر، والفتح، والإمالة؛ وثانيهما المعنوية الدلالية، وهي نوعان: النوع الأول الوظيفة المعنوية المركزية، وهي تتمثل في الاستبدال بين الأصوات صوامتها وصوائتها وبين التنغيمات الصوتية والنبرات الصوتية، ويطلق على الأصوات التي لها دور في تغير المعنى في علم الأصوات الحديثة مصطلحُ الفونيم. والفونيم أصغر وحدة صوتية، لا تقبل الانقسام، تؤدي تغيراً في الكلمات من الناحية التركيبية والمعنوية (القادوسي، 2010م، ص 312؛ خليل، 2010م، ص 144). ويطلق على النبر والتنغيم مصطلح فونيم فوق التركيبية. ووظيفة الفونيمات التركيبية هي التغير من الناحية المعنوية. هذه الوظيفة ترتبط بكل صوت على حدة، وتظهر بشكل واضح في اللغة العربية؛ لأن كل صوت في هذه اللغة له معنى خاص داخل الصيغ. ولأنها من اللغات التي تعتمد في التغير المعنوي على تغير الأصوات داخل نظام تركيبي، فأي استبدال بين الفونيمات التركيبة استبدال في المعاني. فعلى سبيل المثال في "طاب، شاب، غاب"، يوجد استبدال في الفونيم الأول، يتبعه تغير في معنى الكلمة. إذن، الفونيم له قيمة دلالية تركيبية. وأيضاً في "طال، طلب"، يوجد استبدال بين الصائت والصامت. وأيضاً الصوائت القصيرة لها دور مركزي لتغيير الصيغ، مثل: "كَتَبَ، كُتِبَ، كتاب، كُتُب، كتبتَ، كتبتِ، كتبتُ". كل هذه التغييرات التي نراها في الصيغ والمعنى هي الوظائف المعنوية للفونيمات التركيبية (حسان، 2006م، ص 76 ـ 77). ومعظم مسائل القراءات القرآنية تدخل في هذا القسم. أما وظيفة الفونيمات فوق التركيبية، أي: التنغيمات والنبرات الصوتية، فهي التغيير من الناحية الدلالية أيضاً؛ ولكن هذه الوظيفة لا تظهر في الكتابة، وإنما تظهر في أثناء الكلام المنطوق. إذن، هذه العملية ملامح صوتية، تدل على نوعية الكلام، وتحمل معها أنواعاً من المشاعر والعواطف، وربما يصاحبها تغير وتلوين شكلية كتغير الوجه معها مثلاً. فلا علاقة لها بنظام الكتابة. ومن ثم، لا علاقة لها بالقراءات القرآنية (المصدر نفسه، ص 164 ـ 166). والنوع الثاني هو الوظيفة المعنوية غير المنظمة. وهي التي ظهرت بوادرها عند العلماء القدامى من المسلمين، أمثال الفراهيدي في الفرق بين صر وصرصر (الفراهيدي، د.ت، ج 5، ص 23)، والصيمري، حيث قال: «بأنه لولا الدلالةُ الذاتيَّةُ، لكان وضعُ لفظٍ من بين الألفاظ بإزاء معنى من بين المعاني ترجيحا بلا مُرَجِّح، وهو محال» (السيوطي، 1998م، ج 1، ص 18)، وابن جني، حيث ذكر المناسبة بين طائفة من الأصوات ومعانيها، بقوله: فإن كثيرا من هذه اللغة وجدته مضاهيا بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر بها عنها، ألا تراهم قالوا قضم في اليابس وخضم في الرطب؛ ذلك لقوة القاف وضعف الخاء، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى والصوت الأضعف للفعل الأضعف. وكذلك قالوا: صر الجندب، فكرروا الراء لما هناك من استطالة صوته، وقالوا: صرصر البازي، فقطعوه لما هناك من تقطيع صوته (د.ت، ج 1، ص 66). فهذه الوظيفة ليست مدروسة في هذا المقال، مع أنه من الممكن أن توجد علاقة ومناسبة بين الأصوات المستخدمة ومعانيها في الكلمات القرآنية. وتتباين آراء المحدثين من اللغويين بين القبول والرفض، فيما يتعلق بالعلاقة بين الصوت والمعنى. فقد اتجه أغلب المحدثين، خاصة من المفكرين الغربيين، إلى الاعتقاد بأن هذه العلاقة اعتباطية، كما عبّر عن ذلك ديسوسير. ويميل كاصد الزيدي إلى موقف وسط، مُقراً بوجود علاقة بين بعض الأصوات ومعانيها، رغم اعترافه بأن هذه العلاقة ليست مطردة (1987م، ص 48).
وقد اختار البحث نماذج من آيات القرآن الكريم، التي فيها للبالكي آراء فريدة وتحليلات دقيقة، معبرة عن التجديد والتوسع في فهم النصوص القرآنية، وهي ما يلي: ـ «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰه إِنَّ اللّٰه يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَª (البقرة 2: 222). قوله تعالى: "يَطْهُرْنَ" فيه قراءتان، قراءة بالتشديد، أي "يَطَّهَّرْنَ"، أصله يتطهّرن، وهو قراءة حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر، وقراءة بالتخفيف، وهو قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص عنه (ابن عطية، 1422ﻫ، ج 1، ص 298؛ الواسطي، 2004م، ج 2، ص 425). ونقل الطبري آراء المفسرين حول هذه الآية، وقال: إنهم فسروا قراءة التخفيف بانقطاع الدم، وقراءة التشديد بالغسل، وذهب إلى أولوية قراءة التشديد لأمن اللبس فيه (2000م، ج 4، ص 384 ـ 385). وما قاله الطبري موافق لقاعدة زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. زيادة على ذلك، فهو بتأويله فرّق بين القراءتين، حتى لا يلزم منهما التكرار. وذهب الواحدي إلى أن قراءة التخفيف تحتمل انقطاع الدم والغسل أيضاً، حيث قال: «يحتمل أن يكون المراد حتى يَنْقَطع الدم، ويحتمل أن يكون حتى يفعلن الطهارة التي هي الغسل» (1430ﻫ، ج 4، ص 176). ونقل ابن عطية أيضاً هذا الفهم في تفسيره لكلتا القراءتين، وقال: «قال القاضي أبو محمد: وكل واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء، وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه» (1422ﻫ، ج 1، ص 298). ولكن يلزم على هذا الفهم التكرار، والأولى عدمه لاسيما في كلام اللّٰه تعالى.
وكذلك، فسر الثعلبي التخفيفَ بانقطاع الدم، والتشديدَ بالغسل، ولاحظ هذا التفريق بين القراءتين في المادة المستخدمة لهما، حيث إن التطهير بطبيعة صياغته فيه الجهد والسعي، والغسل يحتاج إلى الجهد؛ لأنه من فعل الإنسان نفسه؛ ولكن انقطاع الدم لا دور للإنسان فيه. فتخصيص الطهارة من الدم به أنسب (2002م، ج 2، ص 159). ويفهم من كلام الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات، حمل قراءة التخفيف على انقطاع الدم، وقراءة التشديد على الغسل؛ ولكن لم يتعرض للتدقيق في هذه المسألة ببيان الفروق بينهما(1412ﻫ، ص 525). وأشار الزمخشري إلى هذه المسألة، وصرح بأن التخفيف، أي الطهر، هو انقطاع دم الحيض، والتشديد أي التطهير، هو الاغتسال (1407ﻫ، ج 1، ص 265). وحمل البيضاوي قراءة الخفيف على الاغتسال، واستدل عليه بقراءة التشديد والأمر بالإتيان بعد الاغتسال، يقول: «وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، تأكيد للحكم وبيان لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع ويدل عليه صريحاً قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية ...، والتزاماً لقوله: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ فإنه يقتضي تأخير جواز الإتيان عن الغسل» (1418ﻫ، ج 1، ص 139). إذن، فحسب رأيه، فإن قراءة التشديد تدل على الاغتسال صراحة، والأمر بالإتيان يدل عليه التزاماً؛ لذا، فسر قراءة التخفيف بالاغتسال. وذهب السمين الحلبي إلى التفريق بين القرائتين بحمل التشديد على الاغتسال، والتخفيف على انقطاع الدم، حتى لا يلزم منهما التكرار: «وقراءةُ التشديد معناها يَغْتَسِلْنِ، وقراءةُ التخفيف معناها يَنْقَطِعُ دَمُهُنَّ» (د.ت، ج 2، ص 422). وبما سبق، تبين آراء المفسرين في اختلاف القراءتين، وتنويع مذاهبهم في حملهما على المعاني المختلفة. وأما البالكي، فله مسلك آخر في بيان القراءتين، وذهب مذهباً آخر في التفريق بينهما. فهو يربط معنى القراءتين بسياق الآية كلها وبصيغة النهي والأمر فيها. يعني أن البالكي لا يفسر مباشرة، ولا يحمل التخفيف مثلاً على الانقطاع، والتشديد على الاغتسال، بل يلاحظ جميع مكونات النص من الموضوع والسياق والأمر والنهي الوارد فيه، وبعد ذلك يتبين من كلامه ما ذهب إليه. فهو يبدأ ببيان معنى النهي، حيث يقول: «إن النهي على قراءة التخفيف تنزيه، وعلى التشديد تحريم» (1394ﻫ.ش، ص 31). إذن، فيفهم من هذا الكلام أولاً: أن التخفيف والتشديد لا بد أن يكون لهما دور في تغير المعنى، حتى إذا حُملا على معنى واحد، وهو الاغتسال، فهما يؤثران في معنى النهي، بحيث يصير النهي على قراءة التخفيف تنزيها، أي: يدل على الكراهة؛ وعلى قراءة التشديد تحريما. وبهذا، تبين دور القراءتين في تغير المعانى، وإن اتحدت دلالتهما. وأيضاً ابتعدنا عن توقع التكرار في كلام اللّٰه تعالى، حيث اختلفت دلالة النهي وفق اختلاف القراءة؛ ثانياً: خالف البالكي جميع المفسرين في التفريق بين القراءتين بحمل قراءة التشديد على انقطاع الدم، حيث يقول: «أو المشدد بمعنى الطهارة من الدم» (المصدر نفسه). فلاحظ استخدام الصيغة المشددة للخلوص عن النجاسة الشديدة، وهي النقاء من الدم وانقطاعه، ويأتي بعده الاغتسال، وهو التطهير "فإذا تطهرن". وما قاله البالكي موافق لطبيعة هذه الحالة؛ لأن أول الحدثين هو انقطاع الدم؛ وثانيهما هو الغسل، فجعل أقوى الصيغتين لأقوى الحدثين. وفضلاً عن ذلك، جعل دلالة الأمر دليلاً على ما قرره، حيث يقول: «وأصل الأمر الوجوب أو الندب، فقوله "فأتوهن" أمر ندب لا إباحة. فالآية تدل على جواز القربان بعد النقاء، وقبل الغسل مع كراهة، وندبه بعد الغسل» (المصدر نفسه). فبرأيه، أن جواز المعاشرة مستفاد من "حتى يطهرن"، سواء حمل على انقطاع الدم أم على الاغتسال. يستفاد من ذلك، أنه لا بد للأمر بالمعاشرة من معنى آخر غير الجواز، وهو الندب، حتى لا يلزم منه التكرار أو التأكيد. وهنا، يظهر البالكي كمفسر ومجتهد مستقل، حيث أفتى بجواز المعاشرة قبل الغسل؛ لكن جعل المعاشرة قبل الاغتسال مكروهاً، وبعد الاغتسال مندوباً. وبهذا، يكون معنى الأمر للندب وسالماً عن التكرار أو التأكيد، وهو الإباحة والجواز. وما قرره البالكي أولى في تفسير كلام اللّٰه تعالى؛ لأنه حينئذ يراد به ـ بالأمر ـ التأسيس، دون التأكيد والتكرار؛ والتأسيس أولى، كما هو معلوم. وصرح بما تقدم بقوله: «على أن جواز القربان بعد الغسل على ما قالوا مستفاد من "حتى يطهرن". فيكون قوله "فإذا تطهرن" إلخ تأكيداً، وعلى ما قلنا تأسيساً، والتأسيس أولى، والحمل على الأولى أظهر» (المصدر نفسه). إذن، فالبالكي في تعليقه حاول أن يعطي لكل صيغة معناها، بل لكل صوت دلالتها المستقلة. لذا، تأكد على التأسيس في معني الآية والابتعاد عن التكرار، وبهذا حدّد القيمة الدلالية لكل صوت مستخدم في التركيب. ـ «أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّٰه فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَª (الأنعام 5: 90). قوله تعالى: "اقْتَدِه" فيه قراءتان في حال الوصل: قراءة بحذف الهاء، وهي قراءة حمزة والكسائي؛ وقراءة بإثباتها بالسكون، وهو قراءة الجمهور، إلا ابن عامر. فإنه يثبتها في الوصل بوجهين: بالكسرة وبإشباعها مداً. أما في حال الوقف، فالكل متفق على إثباتها بالسكون (الأزهري، 1991م، ج 1، ص 370؛ الفارسي، 1993م، ج 3، ص 350 ـ 351؛ ابن زنجلة، 1982م، ص 260؛ البغوي، 1997م، ج 3، ص 166؛ العكبري، د.ت، ج 1، ص 517 ـ 518؛ السمين الحلبي، د.ت، ج 5، ص 31؛ النعماني، 1998م، ج 8، ص 270). فجمهور القراء يجعلون هذه الهاء للوقف إلا ابن عامر، فجعلها هاء الضمير (الأزهري، 1991م، ج 1، ص 370؛ ابن زنجلة، 1982م، ص 719). وهاء الوقف هي التي «أدخلت، لتبين بها حركة ما قبلها في الوقف» (ابن زنجلة، 1982م، ص 719). فوجه الحذف عند من حذفها هو أن الهاء هنا للسكت، فمحلها الوقف. ففي حال الوصل، لا يبقى لها دور كهمزة الوصل، وهذا هو القياس. وأما وجه الإثبات عند من أثبتها في حال الوصل بالسكون، فهو موافقة خط المصحف، وإجراء للوصل مجرى الوقف، أو أن الهاء هي ضمير مع أنه مختلف فيه، ويجعلون لسكونها في حالة الإضمار وصلاً احتمالين: تشبيهها بهاء السكت أو إجراء الوصل مجرى الوقف. وسكون هاء الضمير وارد في القرآن الكريم، حتى في حال الوصل، وذلك مثل قوله سبحانه وتعالى: «فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْª (النمل 27: 28) (الأزهري، 1991م، ج 1، ص 370؛ الفارسي، 1993م، ج 3، ص 350 ـ 351؛ ابن زنجلة، 1982م، ص 260؛ البغوي، 1997م، ج 3، ص 166؛ العكبري، د.ت، ج 1، ص 517 ـ 518؛ القرطبي، 194م، ج 7، ص 36؛ السمين الحلبي، د.ت، ج 5، ص 31؛ النعماني، 1998م، ج 8، ص 270). وأما من أثبتها في الوصل بالكسرة اختلاساً أو إشباعاً، وهو ابن عامر، فعنده الهاء ليست للسكت، بل هي ضمير مع أن بعض العلماء يرفضونها ضميراً، ويعدون قراءة ابن عامر لحناً، وبعض العلماء يقبلونها، ويجعلون لها مرجعاً ومعنىً (الأزهري، 1991م، ج 1، ص 370؛ الفارسي، 1993م، ج 3، ص 350 ـ 351؛ ابن زنجلة، 1982م، ص 260؛ البغوي، 1997م، ج 3، ص 166؛ العكبري، د.ت، ج 1، ص 517 ـ 518؛ القرطبي، 1964م، ج 7، ص 36؛ السمين الحلبي، د.ت، ج 5، ص 31؛ النعماني، 1998م، ج 8، ص 270). ولكن اختلفوا في مرجعها ومعناها، كالتالي: أكثر الذين يقبلونها كضمير، يجعلونها ضمير المصدر المطلق، أي: اقتدِ الاقتداء، كما صرح بذلك أبو علي الفارسي، حيث قال: «ووجهها: أن تجعل الهاء كناية عن المصدر لا التي تلحق للوقف» (1993م، ج 3، ص 352)، ودافع عن قراءة ابن عامر، واستحسنها، واستدل عليها بقوله: «حسن إضماره لذكر الفعل الدالّ عليه كقول الشاعر: هذا سراقة للقرآن يدرسه .... فالهاء كناية عن المصدر، ودلّ يدرسه على الدرس، ولا يجوز أن يكون ضمير القرآن؛ لأنّ الفعل قد تعدّى إليه باللام. فلا يجوز أن يتعدى إليه وإلى ضميره» (المصدر نفسه، ج 3، ص 352 ـ 353). والبيضاوي مال إلى قول الفارسي، حيث أورد قراءة ابن عامر، وقال: «والهاء في اقْتَدِهْ للوقف ... وأشبعها بالكسر ابن عامر برواية ابن ذكوان على أنها كناية المصدر» (1418ﻫ، ج 2، ص 171 ـ 172). وبعضهم يجعلونها كناية عن "الهدى"، سواء جعل "الهدى" مفعولاً مطلقاً أم مفعولاً لأجله، كما ورد في الدر المصون: «واختُلِفَ في المصدر الذي تعود عليه هذه الهاء. فقيل: الهدى، أي: اقتد الهدى؛ والمعنى: اقتد اقتداءَ الهدى. ويجوز أن يكون "الهدى" مفعولاً من أجله، أي: فبهداهم اقتد لأجل الهدى» (السمين الحلبي، د.ت، ج 5، ص 32). وجعلها ابن الأنباري ضمير المصدر المؤكد النائب عن الفعل، حيث قال: «إنها ضمير المصدر المؤكد النائب عن الفعل، وإن الأصل: اقتد اقتداءً، ثم جعل المصدر بدلاً من الفعل الثاني، ثم أضمر، فاتصل بالأول» (المصدر نفسه، ج 5، ص 32؛ النعماني، 1998م، ج 8، ص 271). وما سبق ذكره من تأويل الهاء على كلتا القراءتين: قراءة بالسكون على أنها للسكت، وقراءة بالحركة على أنها ضمير، هو ما ذهب إليه عامة القراء والمفسرين. ولكن ما ذهب إليه البالكي في تأويل الهاء وتقدير مرجعها مخالف لعامة المفسرين، حيث أورد في حاشيته كلام البيضاوي على تأويل الهاء وتقدير مرجعه، وبين مراده في ما ذكره لتفسير الآية، ثم علق عليه في تقدير مرجع الهاء، حسب قراءة ابن عامر، حيث قال: «أقول: الأحسن عندي أن يكون الهاء ضميراً راجعاً إلى اللّٰه على كل تقدير» (1394ﻫ.ش، ص 92). وهذا الإرجاع لم يقل به أحد من المفسرين، حسب ما اطلعنا عليه؛ لأن ما سبق في أقوال المفسرين في تحديد مرجع الهاء هو: المصدر المطلق والمصدر المؤكد أو لفظ الهدى. وبعد ذلك، ذكر البالكي باعث هذا التقدير، حيث قال: «ليفيد أن دين جميع الأنبياء (%)، دين اللّٰه تعالى، وهو المتبوع في الحقيقة» (المصدر نفسه، ص 9). يعني حسب رأيه، أن إرجاع الضمير إلى اللّٰه في قوله تعالى: "اقْتَدِهْ"، تستفاد منه وحدة الدين، فلا يرد سؤال من قال: كيف نتبع الأنبياء مع أن شرائعهم مختلفة. فعلى فرض وروده، نقول: الآية تأمرك باتباع اللّٰه تعالى، كما سيبيَّن في تقدير البالكي للآية، وأنت تابع للّٰه باتباع هداية الأنبياء، وهداية الأنبياء دين اللّٰه تعالى، ودين اللّٰه واحد، وإن اختلفت الأنبياء. إذن، فالدين هو المتبوع، وليس الأنبياء: «وإنما الأنبياء مرشدون» (المصدر نفسه، ص 92). وهذا التفسير هو ما صرح به البالكي، يقول: «فيكون حاصل الآية الشريفة أن اللّٰه هدى الأنبياء وأوصلهم إليه. فيا أيها الإنسان بهدى اللّٰه إياهم اقتد اللّٰه بامتثال أوامره البالغة إليك منهم، أو بهداية الأنبياء وإرشادهم لك اقتد اللّٰه» (المصدر نفسه، ص 92). فالبالكي بما قدمه من الإرجاع والتقدير، يعطي للضمير معنى مستقلاً، ويصون الضمير والمرجع من التكرار والزيادة، ويحمل الآية على معنى التأسيس، وهو أولى في كلام اللّٰه تعالى، ثم يبين تقدير الآية نحوياً على ما فسره، حيث يقول: «فالإضافة في قوله: "فبهداهم"، إلى المفعول، والفاعل وهو اللّٰه محذوف، أو إلى الفاعل والمفعول، وهو إياك محذوف» (المصدر نفسه، ص 92). وما حرره البالكي مع أنه مخالف لما ذهب إليه المفسرون، وربما فيه شيء من التكلف، إلا أنه أوجد معنى آخر في كلام اللّٰه تعالى، وجدد، وابتكر، وأثبت حقيقة اتساع المعاني في كلام اللّٰه تعالى، وبين دور الفونيم في تغير المعنى، حيث إن الفونيم الذي هو الكسرة هنا في قراءة ابن عامر يخلق هذا التغير في المعنى. ـ «إِنَّ اللّٰه اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰه فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَª (التوبة 9: 111). قوله تعالى: "فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ" فيه قراءتان: إحداهما بتقديم بناء الفاعل على بناء المفعول: "فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ"، وهو قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وعاصم، وابن عامر؛ والآخر بتقديم بناء المفعول على بناء الفاعل: "فَيُقْتَلُونَ وَيَقْتُلُونَ"، وهو قراءة حمزة، والكسائي (الفارسي، 1993م، ج 4، ص 231). وكلتا القراءتين مفادهما واحد، وهو بيان لحقيقة الاستعداد والجهاد والتضحية في سبيل اللّٰه تعالى وإظهار لهذا الواقع ببذل الروح المتمثل في "فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ". ولكن مع ذلك، تنوعت آراء وتأويلات المفسرين حول هاتين القراءتين، مما يؤدي إلى تعدد المعاني المستنبطة من كل قراءة. وهذا التنوع في المعاني ليس غريبا في كلام اللّٰه تعالى، بل هو سمة من سماته، كما أن استبدال الأصوات في القراءات المختلفة يساهم بشكل كبير في هذا التنوع للمعاني. قال الواحدي في تفسيره البسيط عن اختلاف القراءتين: قدموا الفعل المسند إلى الفاعل على المسند إلى المفعول؛ لأنهم يَقتُلون أولاً ثم يُقتلون. وقرأ حمزة والكسائي "فيُقتَلون ويَقتُلون" على تقديم الفعل المسند إلى المفعول به على المسند إلى الفاعل، وله وجهان: أحدهما أن هذا في المعنى كالذي تقدم؛ لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم؛ والثاني أن معنى قوله: "يَقتُلون" بعد قوله: "يُقتَلون"، أي: من بقي منهم بعد قتلِ من قُتل (1430ﻫ، ج 11، ص 65). إذن، فحسب رأي الواحدي، فأن قراءة تقديم بناء الفاعل معناه واضح، وله وجه واحد، وهو القاتلية والمقتولية، كما هو طبيعة المعركة. أما قراءة حمزة والكسائي بتقديم بناء المفعول على بناء الفاعل، فلها وجهان في التأويل: أحدهما نفس تأويل قراءة تقديم بناء الفاعل بحجة أن الواو لا يقتضي الترتيب، فيجوز أن يراد بها، أي بقراءة حمزة والكسائي، ما أريد بقراءة العامة، وهي تقديم بناء الفاعل على المفعول؛ والثاني لها معنى آخر، وهو المقاومة والعزيمة والشجاعة والثبات والدوام على الجهاد، أي المجاهد في سبيل اللّٰه تعالى لا ينهزم باستشهاد أصدقائه ومن حوله من المجاهدين، بل يستمر في الجهاد بعد قتلهم. وأتى الواحدي بدليل قرآني لهذا التأويل، وهو قوله تعالى: «فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰه وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُواª (آل عمران 3: 146)، أي ما وهن من بقي منهم (المصدر نفسه، ج 11، ص 65). ولا يحمل الرازي القراءة الثانية على القراءة الأولى في المعنى، بل ذهب إلى استقلال القراءتين، وفسر قراءة حمزة والكسائي بما ذهب إليه الواحدي في أحد تأويليه: أما تقديم الفاعل على المفعول، فظاهر؛ لأن المعنى أنهم يقتلون الكفار ولا يرجعون عنهم إلى أن يصيروا مقتولين. وأما تقديم المفعول على الفاعل، فالمعنى أن طائفة كبيرة من المسلمين، وإن صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعا للباقين عن المقاتلة، بل يبقون بعد ذلك مقاتلين مع الأعداء، قاتلين لهم بقدر الإمكان، وهو كقوله: «فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهª (آل عمران 3: 146)، أي ما وهن من بقي منهم ... (1420ﻫ، ج 16، ص 151). إذن، بما ذهب الرازي، فتأخذ كل واحدة من القراءتين معناها الخاص. وما ذهب إليه الرازي، نقله القمي النيسابوري نقلاً حرفياً في تفسيره، حيث قال: «إنهم يقتلون الكفار، فلا يرجعون عنهم، حتى يصيروا مقتولين. ومن قرأ بتقديم المجهول، فمعناه أن طائفة منهم إذا صاروا مقتولين، لم يصر ذلك رادعا للباقين عن المقاتلة بقدر الإمكان» (1416ﻫ، ج 3، ص 534). وذهب البيضاوي إلى اتحاد القراءتين في المعنى بحمل قراءة حمزة والكسائي في المعنى على قراءة الآخرين من القراء، كما ذهب إليه الواحدي في أحد تأويليه، يقول: «وقرأ حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول، وقد عرفت أن الواو لا توجب الترتيب» (1418ﻫ، ج 3، ص 99). واعتمد في هذا التأويل على الواو العاطفة الواقعة بين كلتا الجملتين "فيُقتَلون ويَقتُلون"، حيث إن الواو لا توجب الترتيب، كما هو مقرر في كتب النحو: «الْوَاوُ لِلْجَمْعِ بِلَا تَرْتِيبٍ» (المطرزى، د.ت، ص 536). والفرق بين القراءتين واضح عند البقاعي، حيث يفسر قراءة حمزة والكسائي بوجهين، فلا يذهب في أحدهما إلى الاتحاد بين القراءتين، حيث يقول: «وقراءة حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أمدح؛ لأن من طلب الموت لا يقف له خصمه، فيكون المعنى: فطلبوا أن يكونوا مقتولين، فقتلوا أقرانهم» (د.ت، ج 9، ص 24). ففي هذا الوجه، الفرقُ بين القراءتين ظاهر؛ لأن تقديم المبني للمفعول عنده أولى وأمدح للمجاهدين؛ لأن فيه طلب الموت، وهو أعلى درجة الشجاعة، وفي الآخر يقول: «يجوز أن يكون النظر إلى المجموع، فيكون المعنى أنهم يقاتلون بعد رؤية مصارع أصحابهم من غير أن يوهنهم ذلك» (المصدر نفسه، ج 9، ص 24). وهذا الوجه هو ما ذهب إليه الرازي، والواحدي في أحد تأويليه، كما مر ذكره. والعمادي مال إلى الاتحاد بين القراءتين مع أنه ذكر ما يتميز به قراءة حمزة والكسائي عن الآخرين، وهو ما ذهب إليه البقاعي في التفريق بين القراءتين، يقول: «تقديمُ حالةِ القاتلية على حالة المقتوليةِ للإيذان بعدم الفرقِ بينهما في كونهما مصداقاً لكون القتالِ بذلا للنفس» (د.ت، ج4، ص 105). فهذا تصريح منه بعدم الفرق بين القاتلية والمقتولية، مع أن المقتولية، وهي الاستشهاد في سبيل اللّٰه تعالى، أعلى مرتبة؛ ولكن العمادي لاحظ الاستعداد والحضور في ميدان المعركة هو أعلى درجة التضحية. وبهذا التأويل لا فرق بين القراءتين. وبعد ذلك، يقول فارقاً بين القراءتين: «وقرئ بتقديم المبنيِّ للمفعول رعايةً لكون الشهادة عريقةً في الباب وإيذاناً بعدم مبالاتِهم بالموت في سبيلِ اللّٰه تعالى، بل بكونه أحبَّ إليهم من السلامة» (د.ت، ج 4، ص 105). وهذا قريب مما ذهب إليه البقاعي في التمييز بين القراءتين، كما سبق ذكره. وأيضاً ذهب صاحب روح البيان إلى ما ذهب إليه العمادي، بل نقل منه حرفياً ما قرره العمادي (د.ت، ج 3، ص 514). وأورد ابن عاشور كلتا القراءتين، وفرق بينهما باهتمام كل واحدة من القراءتين بجانب من جوانب القتال مع أن قراءة حمزة والكسائي أضمن لدخول الجنة، وهو حقيقة لا يحتاج إلى دليل لإثباتها، حيث يقول: «وقرأ الجمهور، فيقتلون بصيغة المبني للفاعل وما بعده بصيغة المبني للمفعول. وقرأ حمزة والكسائي بالعكس. وفي قراءة الجمهور، اهتمام بجهادهم بقتل العدو. وفي القراءة الأخرى اهتمام بسبب الشهادة التي هي أدخل في استحقاق الجنة» (1984م، ج 11، ص 39). فبما مر، تبينت آراء المفسرين واختلافهم في بيان معنى كلتا القراءتين والفرق بينهما، وأن لكل واحدة معنى يتلائم مع سياقه مع التقريب والاتفاق بين مفهوميهما، بدرجة أنهما يصيران متحدين في المفاد. فقد تطرق البالكي إلى هذا الموضوع في حاشيته، وبيّن كلام البيضاوي في اختلاف القراءتين بذكر الإشكالات الواردة على القراءتين. ويبدو مؤيداً لما ذهب إليه البيضاوي في اتحاد معنى القراءتين بحمل قراءة حمزة والكسائي على قراءة الجمهور. والبالكي لم يقبل قراءة حمزة والكسائي بدون الحمل على قراءة الجمهور، حيث قال: «إن تقديم المبني للمفعول يستدعي أن يكون المقتول قاتلاً بعد موته، وهو فاسد» (1394ﻫ.ش، ص 159). هكذا فهم البالكي من قراءة حمزة والكسائي وسبقه البيضاوي في هذا الفهم، حيث حمل قراءة حمزة على قراءة الجمهور، بحجة أن الواو لا يقتضي الترتيب. فاعتمد البالكي على هذه الحجة، حيث قال: «إن الواو لا ترتيب فيها، فيصدق بأن يكون المقتولية بعد القاتلية» (المصدر نفسه). ودفع البيضاوي إشكالا آخر وارداً على إرادة القتال من الجميع. ومعلوم أن جميع المؤمنين ليسوا حاضرين في ميدان المعركة، كما صرح بهذا الإشكال البالكي بقوله: «إنه لا يقتل جميع المقاتلين ولا يقتلون» (المصدر نفسه، ص 159). ووجه الدفع أن هذا على إرادة المجاز، وهو إسناد فعل البعض إلى الكل، كما صرح به البيضاوي، وقرره البالكي في وجه الدفع (البيضاوي، 1418ﻫ، ج 3، ص 99؛ البالكي، 1394ﻫ.ش، ص 159). ودفع البالكي بهذا الجواب الإشكال الوارد على قراءة حمزة والكسائي الذي سبق ذكره من أن المقتولية قبل القاتلية، وهو فاسد، حيث قال: «و بهذا ـ أي بإسناد فعل البعض إلى الكل ـ يمكن أن يجاب عن الأول أيضاً بأن يكون القاتل غير المقتول» (1394ﻫ.ش، ص 159). وهذا مستفاد من كلام المفسرين الذين سبق ذكرهم في بداية هذا الموضوع في تفسيرهم لقراءة حمزة والكسائي. وعلى سبيل المثال كلام الرازي: «وأما تقديم المفعول على الفاعل، فالمعنى: أن طائفة كبيرة من المسلمين، وإن صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعا للباقين عن المقاتلة» (1420ﻫ، ج 16، ص 151). إذن، القاتل غير المقتول، وأيضاً البالكي أورد إشكالين آخرين على كلتا القراءتين، وأجاب عنهما، حيث قال: «وأنت خبير بأن هذا لا يحسم مادة الإشكال؛ إذ للمستشكل أن يعود فيقول: قد يقاتل المؤمنون، ولا يكون واحد منهم مقتولاً ولا قاتلاً، وإرادة كل المؤمنين، ولو لم يحضروا تلك الوقعة بعيدة جداً» (1394ﻫ.ش، ص 159). إذن، كيف يحصل الأجر والثواب، وكيف يصدق عليهم القاتلية والمقتولية؛ لأنه ربما لم يقع القتال أصلاً؛ وأيضاً نسبة فعل البعض إلى الكل مطلقاً في هذه الواقعة بعيدة جداً على ما ذهب إليه البالكي؛ إذ كيف يمكن أن ينسب القتال إلى من لم يحضر المعركة أصلاً؟ هذا ما أورده البالكي مستشكلاً على القراءتين، فأجاب عنهما بقوله: «الأولى في الجواب أن يقال: المراد فيحضرون أنفسهم للمقتولية والقاتلية؛ إذ من حضر القتال فقد أحضر نفسه لهذين» (المصدر نفسه، ص 159). إذن، من أحضر نفسه للجهاد، فقد حصل له الثواب وصدق عليه القاتلية والمقتولية، وإن لم يقع القتال؛ لأنه حاضر للتضحية وبذل النفس. والعمادي دقق في هذا الموضوع، وارتبط جميع الأجر والقاتلية والمقتولية بالنية والعزيمة، وبهذا حسم جميع الإشكالات الواردة على القراءتين، حيث قال: "فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ" بيانٌ لكون القتالِ في سبيل اللّٰه بذلاً للنفس، وأن المقاتِلَ في سبيله باذلٌ لها، وإن كانت سالمةً غانمة. فإن الإسنادَ في الفعلين ليس بطريق اشتراطِ الجمعِ بينهما ولا اشتراطِ الاتصافِ بأحدهما البتةَ، بل بطريق وصفِ الكلِّ بحال البعضِ. فإنه يتحقق القتالُ من الكل سواءٌ وجد الفعلان أو أحدَهما منهم أو من بعضهم، بل يتحقق ذلك، وإن لم يصدُرْ منهم أحدُهما أيضاً، كما إذا وُجدت المضاربةُ، ولم يوجد القتلُ من أحد الجانيين أو لم توجد المضاربةُ أيضا، فإنه يتحقق الجهاد بمجرد العزيمة والنفير وتكثيرِ السواد (د.ت، ج 4، ص 105). ـ «وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للّٰه وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماًª (الأحزاب 33: 31). قوله تعالى: "يَقْنُتْ" فيه قراءتان: إحداهما بالتاء، وهي قراءة زيد عن يعقوب، والجَحْدَريُّ، وابن عامر في رواية، وأبي جعفر وشيبة، وروح؛ والأخرى بالياء، وهي قراءة الجمهور (ابن مِهْران النيسابوري، 1981م، ص 357؛ القرطبي، 1964م، ج 14، ص 176؛ النعماني، 1998م، ج 15، ص 540). هذه الآية خطاب مع أمهات المؤمنين رضي اللّٰه عنهن. ولكل واحدة من القراءتين وجه من المعنى؛ لأن استبدال الأصوات لا بد أن يتبعه تغير معنوي غالباً، أو لفظي أو تركيبي. والاختلاف القرائي في هذه الآية هو استبدال صوت الياء بالتاء وبالعكس. فهذا الخلاف يستلزم ملاحظات معنوية وتركيبية كالآتي. قال ابن زنجلة: «وَأما من قَرَأَ بِالْيَاءِ، فَإِنَّهُ حمل الْكَلَام على لفظ "مَن"، دون الْمَعْنى. وَمن قَرَأَ بِالتَّاءِ، فَإِنَّهُ حمل على الْمَعْنى، دون اللَّفْظ؛ لِأَن معنى "مَنْ" التَّأْنِيث وَالْجمع» (د.ت، ص 576). لفظ "من" مفرد مذكر، أينما ورد. ومعناه يصلح للمفرد والمثنى والجمع والمؤنث والمذكر، كما صرح به ابن مالك: «"ومن وما لكل ما مضى" المراد الذي والتي وتثنيتهما، وجمعهما. فإن كل واحد من ما ومن صالح أن يراد به ذلك كله» (د.ت، ج 1، ص 278). فالقراءة بالياء في كلمة "يَقْنُتْ" روعي فيها جانب التذكير في لفظ "مَنْ"، ولفظه مذكر، كما ذكرنا؛ لكن معناه يتغير حسب السياق الذي ورد فيه. فهنا معناه التأنيث والجمع، كما صرح به ابن زنجلة؛ لأن المقصود بلفظ "مَنْ" هنا نساء النبي (|). والقراءة بالتاء في "يَقْنُتْ" روعي فيها جانب التأنيث في معنى "مَنْ"، ومعناه التأنيث، كما ذكرنا، وهو: أن المقصود منه أمهات المؤمنين. وما ذكر من القراءتين في كلمة "يَقْنُتْ" ومراعاة كل واحدة من القراءتين لجانبي اللفظ والمعنى هو ما ذهب إليه جمهور المفسرين، أمثال الواحدي، وابن عطية، والقرطبي، وأبي حيان الأندلسي، والسمين الحلبي، والنعماني (الواحدي، 1430ﻫ، ج 18، ص 231؛ ابن عطية، 1422ﻫ، ج 4، ص 381؛ القرطبي، 1964م، ج 14، ص 176؛ أبو حيان الأندلسي، 1420ﻫ، ج 8، ص 473؛ السمين الحلبي، د.ت، ج 9، ص 117؛ النعماني، 1998م، ج 15، ص 540). وأيضاً أورد ابن زنجلة دليلاً لتقوية مراعاة المعنى هنا أي التأنيث، وهو قوله: «وَمِمَّا يُقَوي قَول من حمل على الْمَعْنى. فأنث اتِّفَاق حَمْزَة وَالْكسَائِيّ مَعَهم فِي قَوْله نؤتها. فحملا أَيْضا على الْمَعْنى، وَلَو كَانَ على اللَّفْظ، لقالوا: نؤته. فكَذَلِك قَوْله: "وتعمل"، كَانَ يَنْبَغِي أَن يحمل على الْمَعْنى» (د.ت، ص 576). وصرح الواحدي بما ذهب إليه ابن زنجلة، حيث قال: «ومما يقوي الحمل على المعنى تأنيث الضمير في قوله: "نؤتها". وكان ينبغي على هذا القياس أن يحمل هذه الأفعال على التأنيث، ويجعل الكلام على المعنى» (1430ﻫ، ج 18، ص 231). وفاضل السامرائي له رأي آخر في هذه المسألة، حيث قال: "من" في اللغة تستعمل للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. وعادة نبدأ لفظها أولاً على حالة الإفراد والتذكير، ثم نحملها على معناها. وهذا هو الأفصح عند العرب. كما في قوله تعالى: «يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِª (الأحزاب 33: 30) وأيضاً: «وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للّٰه وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِها أَجْرَهاª، يؤتى بالإفراد والتذكير أولاً ثم يؤتى بما يدل على المعنى من تأنيث أو جمع أو تثنية» (د:ت، ص 641). ويظهر من قوله هذا أن القراءة بالياء هي أفصح القراءتين، كما هي قراءة الجمهور. وأيضاً حسب ما ذهب إليه، لا يرد إشكال: أنّ "مَنْ" هنا للمؤنث، واستعماله استعمال المذكر؛ لأنّ هذا الاستعمال هو الغالب في كلام العرب، وهذا يرجع إلى استعمال كلمة "من". فلا علاقة بمسألة التذكير والتأنيث. والبالكي خالف جميع المفسرين من القدماء والمعاصرين في هذه المسألة. فبرأيه أن القراءة بالتاء على أصله الذي يقتضيه السياق، وهو التأنيث. أما القراءة بالياء، فلمراعاة معنى "القنوت" لا للفظ "مَن"، حيث إن القنوت هو الدوام على العبادة، وهذا من خصائص الذكور دون الإناث. فمن داوم علی العباده من النساء، فهي داخلة في حکم الذکور. فیقول البالکی: لم يتعرض ـ أي البيضاوي ـ للتأويل في "يَقْنُتْ" أيضاً؛ إما لأن القراءة التي بلغته هي بالتاء، وإما لظهور نكتة قراءته بالياء؛ لأن حقيقة القنوت والدوام على الطاعة من خصائص الذكور، وإن "قنتت" الأنثى، فهي في حكم الذكور. ومن ثم عبر بالياء، كما نصوا على نظيره في قوله تعالى: «وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَª (التحريم 66 :12)، واللّٰه أعلم (1394ﻫ.ش، ص 344). وحسب رأيه، فلأن القنوت من خصائص الرجال وميزاتهم، فورد لفظ "الْقَانِتِينَ"، وهو جمع مذكر سالم، مكان لفظ "القانتات"، وهو جمع مؤنث سالم. وما ذهب إليه البالكي ابتكار من عند نفسه، وهو لاحظ معنى القنوت. نعم القنوت معناه الدوام على العبادة، وهذا ظاهر في تفسير معنى القنوت عند المفسرين. فالراغب يقول: «القُنُوتُ: لزوم الطّاعة مع الخضوع، وفسّر بكلّ واحد منهما في قوله تعالى: «وَقُومُوا للّٰه قانِتِينَª (البقرة 2: 238)، وقوله تعالى: «كُلٌّ لَهُ قانِتُونَª (الروم 39: 26)» (1412ﻫ، ص 684 ـ 685). وأورد القرطبي مجموعة من المعاني المتنوعة لكلمة القنوت. وفي الأخير، يقول: «إِنَّ أَصْلَ الْقُنُوتِ فِي اللُّغَةِ الدَّوَامُ عَلَى الشَّيْءِ. وَمِنْ حَيْثُ كَانَ أَصْلُ الْقُنُوتِ فِي اللُّغَةِ الدَّوَامَ عَلَى الشَّيْءِ جَازَ أَنْ يُسَمَّى مُدِيمُ الطَّاعَةِ قَانِتًا، وَكَذَلِكَ مَنْ أَطَالَ الْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ وَالدُّعَاءَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ أَطَالَ الْخُشُوعَ وَالسُّكُوتَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ فَاعِلُونَ لِلْقُنُوتِ» (1964م، ج 3، ص 213). وقال السمعاني: «الْقُنُوت هُوَ المداومة على الطَّاعَة، وَمِنْه الْقُنُوت فِي الصَّلَاة، وَهُوَ المداومة على الدُّعَاء» (1997م، ج 4، ص 278). لكن اختصاص هذا الدوام بالذكور لدى البالكي شيء غريب؛ لأنه لم يقل به أحد من المفسرين إلا أن نلاحظ أن الإناث ينقطعن عن الدوام على العبادة في أوقات مخصوصة، ولكن هذا الوجه أيضاً ضعيف؛ لأنهن إذا انقطعن عن الصلاة والصوم مثلاً، فلا ينقطعن عن الذكر باللسان والقلب. وفضلاً عن ذلك أن القنوت عند عائشة بنت الشاطئ خاص بالخشوع القلبي دون عبادات الجوارح، حيث قالت: «إن القنوت من أفعال القلوب، كالخشوع والتقوى، وليس الإقرار كذلك» (د.ت، ص 405). ومع ذلك، تبين اهتمام البالكي باختلاف القراءات ودورها في تغير المعاني، وأن استبدال الأصوات تتبعه ملاحظات معنوية وتركيبية. ـ «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَª (الزخرف 43: 32). إن هذه الكلمة "سخْرِيًّا" وردت في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع: في سورة المؤمنين: «فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَª (المؤمنون 23: 110)، وفي سورة ص: «أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُª (ص 38: 63)، وفي سورة الزخرف: «سُخْرِيًّاª (الزخرف 43: 32). لقد اختلف القراء في قراءة هذه الكلمة في سورتي المؤمنين وص. فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم بكسر السين. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي بضم السين. أما التي في سورة الزخرف، فالقراء العشر متفقون على قراءتها بالضم (الفارسي، 1993م، ج 5، ص 302 ـ 305؛ ابن مِهْران النيسابوري، 1981م، ص 314؛ ابن زنجلة، 1982م، ص 491 ـ 492). وأورد الفارسي كلام الحسن وقتادة على الفرق بين القراءتين، حيث قالا: «ما كان من العبودية، فهو سخريّ بالضم، وما كان من الهزء فبالكسر» (1993م، ج 5، ص 302 ـ 305). وأورد أيضاً ما حكي عن يونس من أن قراءة الضم قد يراد منها الهزء: «أن يونس قال فيما حكى عنه ابن سلّام: أن السّخري قد يقال بالضم بمعنى الهزء» (المصدر نفسه، ج 5، ص 302 ـ 305). وأورد ابن زنجلة ما أورده الفارسي؛ ولكن أضاف وجه استحسان كل من القراءتين، أي التي في سورتي المؤمنين وص، بقوله: «وَيُقَوِّي الكسرة قَوْله بعْدهَا: «وكنتم مِنْهُم تضحكونª (المؤمنون 23: 110). والضحك بالهزء أشبه وَحجَّة الرّفْع اجماع الْجَمِيع على الرّفْع فِي سُورَة الزخرف» (1982م، ص 491 ـ 492). وذكر ابن مهران النيسابوري أيضاً الخلاف الذي في سورتي المؤمنين وص، وعدم الخلاف في سورة الزخرف إلا أنه ذكر أيضاً القراءة بالكسرة في سورة الزخرف، وهو ما روي عن ابن محيصن وأبي رجاء (1981م، ص 314)، مع أن هذه القراءة ـ أي التي بالكسرة في سورة الزخرف ـ تعد من الشواذ، كما أوردها ابن خالويه في كتابه مختصر في شواذ القرآن (1934م، ص 135). وذكر أبو حيان الأندلسي قراءة الجمهور وغيرهم لكلمة "سخرياً"، حيث قال: «والجمهور "سُخرياً" بضم السين، أي: التي في سورة الزخرف ـ وعمرو بن ميمون، وابن محيصن وابن أبي ليلى، ... بكسرها» (1420ﻫ، ج 9، ص 370)، وفسرها بما فسر به جمهور المفسرين مع الإشارة إلى قول المخالف، حيث قال: وهو من التسخير أي القراءة بالضم، بمعنى: الاستعباد والاستخدام، ليرتفق بعضهم ببعض ويصلوا إلى منافعهم. ولو تولى كل واحد جميع أشغاله بنفسه، ما أطاق ذلك وضاع وهل. ويبعد أن يكون سخريا هنا من الهزء، وقد قال بعضهم: أي يهزأ الغني بالفقير (المصدر نفسه، ج 9، ص 370). والشوكاني أيضاً ذكر ما ذهب إليه المفسرون عامة في تفسير "سخرياً" في سورة الزخرف مع تفسير المخالف واستبعاده: «لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا أَيْ: لِيَسْتَخْدِمَ بعضهم بعضا وَقَالَ قَتَادَةُ والضحاك: ليملك بعضهم بعضا، وقيل: هو من السُّخْرِيَةُ الَّتِي بِمَعْنَى الِاسْتِهْزَاءِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ مَعْنَى القرآن، ومناف لما هو مقصود السياق» (1414ﻫ، ج 4، ص 634 ـ 635). وأشار محمد سالم محيسن إلى الفرق بين كلتا القراءتين: بأن "سُخرياً" بضم السين مصدر من التسخير، وهو الخدمة. وقيل: هو بمعنى الهزء؛ وبالكسر مصدر من السخرية، وهو الاستهزاء (1997م، ج 1، ص 404). ونقل محمد عضيمة مقولة يونس في الفرق بين الضم والكسرة في كلمة "سخرياً": «إذا أريد الاستخدام، فضم السين لا غير. وإذا أريد الهزء، فالضم والكسر» (د.ت، ج 6، ص 15 ـ 16). وفيما مر، تبينت قراءة ومعنى كلمة "سخرياً" في المواقع الثلاثة التي وردت فيها. وظهر اتفاق جمهور المفسرين على أن المراد من كلمة "سخرياً" في سورة الزخرف هو الخدمة والتعاون والتكامل بين صفوف الناس. وتبين أيضاً تلميح للخلاف الذي ورد في قراءتها ومعناها في نفس المكان، وهو: قراءتها بالكسرة وتفسيرها بالاستهزاء، مع أن هذا الوجه من القراءة والتفسير لم يقبل عند المفسرين مع ذكرهم له وردوه وعدوه من الشواذ. والبالكي في تفسير هذه الآية وقراءتها يبدو كمفسر موسوعي، يراعي سائر الجوانب لهذه الآية من القراءة واللغة وتفسير المفسرين لها، حيث أظهر في بداية الأمر موافقته لجمهور المفسرين في تفسير "سخرياً" وقراءتها، كما هو واضح في تعليقه على قول البيضاوي، حيث قال: قول البيضاوي على قوله تعالى: «ليَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّاª: ليستعمل بعضهم بعضاً. فالسخر من التسخير بمعنى التعجيز والتسليط، لا من المسخرة بمعنى الهزء والاستهزاء. وعليه، فلا يبعد أن يراد أن كل بعض منهم يستعمل كل بعض آخر، فرفع الأغنياء وتسلطهم على الفقراء ببذل أموالهم لهم، والعكس لإعانة الفقراء إياهم في نماء أموالهم (1394ﻫ.ش، ص 403). وفي هذا التوضيح والتعليق على كلام البيضاوي، تبدو موافقة البالكي لجمهور المفسرين، وأنه ذهب مذهبهم في تفسير هذه الآية وقراءتها. ولكن بعد ذلك، يقول: «والأوفق الأنسب بالآية السابقة، وبقوله: «وَرَحْمَتُ رَبِّكَª. المراد بها الفضل الديني نبوة أو غيرها أن يراد بالسخر الاستهزاء» (المصدر نفسه، ص 403). وفي هذا، يخالف جمهور المفسرين؛ لأن كلهم يردون معنى الاستهزاء في هذه الآية، بحجة أنه لا يتناسب مع المقصد القرآني. قال أبو حيان الأندلسي: «ويبعد أن يكون سخريا هنا من الهزء» (1420ﻫ، ج 9، ص 370)، أي الاستهزاء والسخرية. وقال الشوكاني: «وقيل: هو من السُّخْرِيَةُ الَّتِي بِمَعْنَى الِاسْتِهْزَاءِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ مَعْنَى القرآن، ومناف لما هو مقصود السياق» (1414ﻫ، ج 4، ص 634 ـ 635). وما صرح به أبوحيان والشوكاني، هو ما ذهب إليه عامة المفسرين حسب اطلاعنا. إذن، البالكي في هذا الوجه من التفسير خالف جميعهم. وعلى ما يبدو، فإن البالكي فسر الآية تفسيرين: تفسيراً على القراءة بالضمة. وفي هذا، ذهب مذهب الجمهور، حيث فسر سرياً بالخدمة والتعاون؛ وتفسيراً على القراءة بالكسرة أو بالضمة، حيث فسر الآية بمعنى الاستهزاء. وفي هذا التفسير، راعى جانب القراءة واللغة، حيث إن القراءة بالكسرة في هذه الكلمة "سِخرياً"، وإن كانت شاذة، تحدد معناها بالاستهزاء، كما هو واضح فيما سبق في كلام الحسن وقتادة على الفرق بين القراءتين، حيث قالا: «ما كان من العبودية، فهو سخريّ بالضم، وما كان من الهزء فبالكسر» (الفارسي، 1993م، ج 5، ص 302 ـ 303). وفضلاً عن أنّ القراءة بالضم أيضاً يحتمل الاستهزاء، كما صرح بذلك يونس في قوله: «إن السخري قد يقال بالضم بمعنى الهزء» (المصدر نفسه، ج 5، ص 302 ـ 303)؛ لكن ينبغي أن لا يترك هذا الوجه من التفسير والقراءة، بحجة أنه لا يوافق السياق والمقصد القرآني؛ لأن البالكي أوجد له تأويلاً مقبولاً، حيث ربط مناسبة كلا المعنيين والقراءتين بمعنى اللام في "لِيَتَّخِذَ"، حيث قال: فعلى الأول، أي: القراءة بالضم والتفسير بالخدمة، يكون المراد أنا رفعنا الأغنياء بالمال والفقراء بالإعانة ليتعاونوا ويتضاموا، لا ليستهزء بعضهم بعضاً، فيكون لام "لِيَتَّخِذَ" لام الغاية؛ وعلى الثاني، أي القراءة بالكسر أو بالضم والتفسير بالاستهزاء، يكون المراد أن عاقبة رفعهم الاستهزاء مع أنا لم نرد بالرفع إلا امتثال أمرنا (1394ﻫ.ش، ص 403). إذن، فعلى الثاني، يكون حرف اللام للصيرورة والعاقبة.
الخاتمة الشيخ البالكي في حاشيته، ذكر القراءات القرآنية في الآيات التي ذكرها البيضاوي، واهتم بالمسائل التي تعلق بها من أوجه الخلاف بين القراء، والتغير في المعاني، وعلق على قول البيضاوي، فبين ما فيه من الغموض، وشرح ما فيه من الإجمال، وكان مؤيداً له بعض الأحيان، كما كان معترضاً عليه أحيانا أخرى. لقد حاول البالكي، قدر المستطاع، أن يفرق بين قراءتين مختلفتين من الناحية المعنوية، وأن يعطي لكل قراءة معناها المستقل، حتى يتجنب القول بالتكرار في كلام اللّٰه تعالى، واعتمد في ذلك على المعاني اللغوية والقواعد النحوية والبلاغية. في الحقيقة، أن البالكي يتصرف كمفسر مستقل، فيرجح قراءة أو وجهاً أو معنىً، مما ذكره المفسرون، وفي بعض الأحيان يرفض جميع الآراء والتفاسير، ويبتكر تفسيراً ورأياً من عند نفسه، ويتمسك به، ويدافع عنه، ويستدل عليه، ويعتمد في ذلك على مقدرته العلمية وعقليته المبدعة. يظهر البالكي في حاشيته كباحث مدقق، حيث يطرح الأقوال والمسائل، ثم يثير إشكاليات عليها، ثم يجيب عنها، وفي نهاية المطاف، يحاول التوفيق أو الترجيح أو يضيف رأيه الشخصي إلى آرائهم. إن القراءات القرآنية لها دور رئيس في تنوع المعاني، وإن استبدال الأصوات تلعب دوراً مركزياً في تغير المعاني، ولو كان بين أصغر وحداتها؛ وهذا ما قد حققه البالكي في تدقيقاته للقراءات القرآنية. لقد دل هذا البحث علی أن للعلماء المتأخرین أیضا أثرا ظاهرا في توسیع المعاني للقرآن الکریم، وأن القرآن لايزال منهلاً صافياً حياً، يتمشى مع تطور الزمن، وأن لكل جيل حظ لاستخراج كنوزه واستنباط درره، كما هو واضح عند البالكي في المباحث القرائية، حيث استنبط معاني وحكماً، لم يسبقه فيها أحد حسب اطلاعنا. | ||
| مراجع | ||
|
* القرآن الكريم. الآلوسي، أبو الفضل شهاب الدين محمود. (1415ﻫ). روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. تحقيق علي عبد الباري عطية. بيروت: دار الكتب. ابن الجزري، شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد. (1999م). منجد المقرئين ومرشد الطالبين. بيروت: دار الكتب العلمية. ابن جعفر، أحمد. (2015م). توجيه القراءات الشاذة في سورة الحج وأثرها في التفسير. االجزيرة: جامعة أبو بكر بلقائد. ابن جني، أبو الفتح عثمان بن عبد اللّٰه. (د.ت). الخصائص. ط 4. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب. ابن خالويه، أبو عبد اللّٰه الحسين بن أحمد. (1934م). مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع. القاهرة: المطبعة الرحمانية. ابن زنجلة، أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد. (1982م). حجة القراءات. تحقيق سعيد الأفغاني. بيروت: دار الرسالة. ابن عاشور، محمد الطاهر. (1984م). التحرير والتنوير. تونس: الدار التونسية. ابن عطية، أبو محمد عبد الحق. (1422ﻫ). المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد. بيروت: دار الكتب. ابن مالك، جمال الدين أبو عبد اللّٰه محمد بن عبد اللّٰه. (د.ت). شرح الكافية الشافية. تحقيق عبد المنعم أحمد هريدي. مكة: جامعة أم القرى مركز البحث العلمي. ابن مِهْران النيسابوري، أبو بكر أحمد بن الحسين. (1981م). المبسوط في القراءات العشر. تحقيق سبيع حمزة حاكيمي. دمشق: مجمع اللغة العربية. أبو السعود العمادي، محمد بن محمد. (د.ت). إرشاد العقل السليم إلی مزايا الكتاب الكريم. بيروت: دار إحياء التراث العربي. أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف. (1420ﻫ). البحر المحيط في التفسير. تحقيق صدقي محمد جميل. بيروت: دار الفكر. الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد. (1991م). معاني القراءات للأزهري. الرياض: جامعة الملك سعود مركز البحوث في كلية الآداب. البالكي، الملا محمد باقر. (1377ﻫ.ش). جامع الفوائد. سنندج: كردستان. ــــــــــــــــــــــــــ . (1394ﻫ.ش). حاشية العلامة البالكي على تفسير البيضاوي. إعداد وتقديم الملا السيد محمد مهدي الجوري. سنندج: كردستان. البخاري، أبو عبد اللّٰه محمد بن إسماعيل. (1422ﻫ). صحيح البخاري. تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر. شرح وتعليق مصطفى ديب البغا. بيروت: دار طوق النجاة. البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود. (1997م). معالم التنزيل في تفسير القرآن. تحقيق محمد عبد اللّٰه النمر وعثمان جمعة ضميرية وسليمان مسلم الحرش. ط 4. الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع. البقاعي، برهان الدين إبراهيم بن عمر. (د.ت). نظم الدرر في تناسب الآيات والسور. القاهرة: دار الكتاب الإسلامي. بنت الشاطئ، عائشة محمد علي عبد الرحمن. (د.ت). الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق. ط 3. القاهرة: دار المعارف. البيضاوي، ناصر الدين أبو سعيد عبد اللّٰه بن عمر. (1418ﻫ). أنوار التنزيل وأسرار التأويل. تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلي. بيروت: دار إحياء التراث العربي. الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن محمد. (2002م). الكشف والبيان عن تفسير القرآن. تحقيق أبو محمد بن عاشور. بيروت: دار إحياء التراث العربي. حبش، محمد. (1999م). القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية. دمشق: دار الفكر. حسان، تمام عمر. (2006م). اللغة العربية معناها ومبناها. ط 5. الرياض: عالم الكتب. حقي، إسماعيل بن مصطفى. (د.ت). روح البيان. بيروت: دار الفكر. حميتو، عبد الهادي بن عبد اللّٰه. (1980م). اختلاف القراءات وأثره في التفسير واستنباط الأحكام. الرباط: دار الحديث الحسنية. خليل، إبراهيم محمود. (2010م). مدخل إلى علم اللغة. عمان: دار المسيرة. الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد. (1412ﻫ). المفردات في غريب القرآن. تحقيق صفوان عدنان الداودي. دمشق: دار القلم والدار الشامية. رضوان، هادي. (1396ش). «دراسة نقدية للاستعارة المكنية عند البالكي». مجلة أدب عربي. س 9. ع 1. ص 173 ـ 189. ــــــــــــــ . (1398ﻫ.ش). «المنهج التفسيري للشيخ محمد باقر البالكي في حاشيته على تفسير البيضاوي: المباحث اللغوية والنحوية والبلاغية في سورة البقرة نموذجا». المجلة العلمية الإيرانية للغة العربية وآدابها. ج 15. ع 52. ص 83 ـ 104. الزرقاني، محمد عبد العظيم. (د.ت). مناهل العرفان في علوم القرآن. ط 3. القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه. الزركشي، أبو عبد اللّٰه بدر الدين محمد بن عبد اللّٰه. (1957م). البرهان في علوم القرآن. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركائه. الزمخشري، أبو القاسم جار اللّٰه محمود بن عمرو. (1407ﻫ). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. ط 2. بيروت: دار الكتاب العربي. الزيدي، كَاصد ياسر. (1987م). فقه اللغة. الموصل: دار الكتب. السامرائي، فاضل بن صالح. (د.ت). لمسات بيانية في نصوص من التنزيل. د.م: د.ط. سعيد، مراد جبار. (2003م). محمد باقر البالكي وجهوده في الفقه وأصوله. أربيل: كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة صلاح الدين. السمعاني، منصور بن محمد. (1997م). تفسير القرآن. تحقيق ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم. الرياض: دار الوطن. السمين الحلبي، أبو العباس أحمد بن يوسف. (د.ت). الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. تحقيق أحمد محمد الخراط. دمشق: دار القلم. السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر. (1998م). المزهر في علوم اللغة وأنواعها. تحقيق فؤاد علي منصور. بيروت: دار الكتب العلمية. الشوكاني، محمد بن علي. (1414ﻫ). فتح القدير. دمشق: دار ابن كثير. الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير. (2000م). جامع البيان في تأويل القرآن. تحقيق أحمد محمد شاكر. بيروت: مؤسسة الرسالة. عضيمة، محمد عبد الخالق. (د.ت). دراسات لأسلوب القرآن الكريم. تصدير محمود محمد شاكر. القاهرة: دار الحديث. العكبري، أبو البقاء عبد اللّٰه بن الحسين. (د.ت). التبيان في إعراب القرآن. تحقيق علي محمد البجاوي. القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه. العنزي، فهد سعود. (2007م). القراءات القرآنية في تفسير معالم التنزيل للإمام البغوي. عمّان: الجامعة الأردنية كلية الدراسات العليا. الفارسي، أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار. (1993م). الحجة للقراء السبعة. تحقيق بدر الدين قهوجي بشير جويجابي. بيروت: دار المأمون للتراث. الفخر الرازي، أبو عبد اللّٰه محمد بن عمر. (1420ﻫ). مفاتيح الغيب. ط 3. بيروت: دار إحياء التراث العربي. الفراهيدي، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد. (د.ت). كتاب العين. تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي. القاهرة: دار ومكتبة الهلال. القادوسي، عبد الرازق بن حمودة. (2010م). أثر القراءات القرآنية في الصناعة المعجمية تاج العروس نموذجا. القاهرة: قسم اللغة العربية كلية الآداب، جامعة حلوان. القرطبي، أبو عبد اللّٰه محمد بن أحمد. (1964م). الجامع لأحكام القرآن. تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش. ط 2. القاهرة: دار الكتب المصرية. القمي النيسابوري، نظام الدين الحسن بن محمد. (1416ﻫ). غرائب القرآن ورغائب الفرقان. تحقيق زكريا عميرات. بيروت: دار الكتب العلمية. محيسن، محمد محمد سالم. (1997م). الهادي شرح طيبة النشر في القراءات العشر. بيروت: دار الجيل. المدرس، عبد الكريم. (1983م). علماؤنا في خدمة العلم والدين. بغداد: دار الحرية. المطرِّزي، أبو الفتح برهان الدين ناصر بن عبد السيد. (د.ت). المغرب في ترتيب المعرب. بيروت: دار الكتاب العربي. النعماني، أبو حفص سراج الدين عمر. (1998م). اللباب في علوم الكتاب. تحقيق عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض. بيروت: دار الكتب العلمية. النقشبندي، ئاوات محمود. (2015م). الملا محمد باقر البالكي وجهوده في التفسير من خلال حاشيته: تتمة البالكي على تفسير البيضاوي. الخرطوم: جامعة أم درمان الإسلامية، كلية أصول الدين، قسم التفسير وعلوم القرآن. الواحدي، أبو الحسن علي بن أحمد. (1430ﻫ). التفسير البسيط. تنسيق لجنة علمية من الجامعة. الرياض: عمادة البحث العلمي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. الواسطي، أبو محمد عبد اللّٰه بن عبد المؤمن. (2004م). الكنز في القراءات العشر. تحقيق خالد المشهداني. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية.
| ||
|
آمار تعداد مشاهده مقاله: 484 تعداد دریافت فایل اصل مقاله: 225 |
||